فنان الخميس .. الفنان التشكيلي التطواني الغائب سعد بن شفاج
إنجاز : يوسف خليل السباعي/ تطواني
يد فريد الزاهي تكتب عن سعد بن شفاج أو لعبة الذاكرة والنسيان ونبذة موجزة عنه وعن تكريمه في زمن مفقود
في بعض الأحيان، تمنيت لو أني أنا من كتب هذا النص الذي ستقرؤونه، لو كانت لدي هذه اليد، ليست يدي، ولكن يد الكاتب والناقد والمترجم فريد الزاهي التي كتبت عن الفنان التشكيلي سعد بن شفاج. ولا أظن أن أحدا كتب عن هذا الفنان الذي لايتكلم كثيرا مثل الآخرين، وإنما يعمل ويبدع أعمالا لها أكبر الأثر في تاريخ الفن التشكيلي ببلادنا، مثل ما كتب فريد الزاهي.
شاهدت لقاءات تلفزيونية معه يتكلم فيها عن أعماله، إلا أنها كانت عابرة، ولاتعطي هذا الفنان قيمته الحقيقية، لأن المحاورة لم تكن بالشكل المنتظر، ولاتشفي الغليل.
التقيت بسعد بن شفاج، تحدثنا، ولكنني لم أجري معه أي حوار صحفي- كما فعلت مع بوعبيد بوزيد وعبد الكريم الوزاني وأحمد العمراني ومحمد بوزباع ويوسف الحداد ومحمد غزولة ومحمد أكوح وعادل ربيع ومحاسن الأحرش ومحمد الغناج وفنانين مغاربة وأجانب- ومنهم كذلك أحمد بن يسف الذي استقبلني بحفاوة في دارته بريستينكا، وخديجة طنانة وفريدة الحضري، لا أدري ماهو سبب عدم إجراء ذاك الحوار العالق، على الرغم من أنه كان يدعوني لمرسمه.
كنت ألتقي به مرة وأخرى، ولم أعد أراه. آخر مرة رأيته فيها كنت في مقهى كابوتشينو بمرتيل وكان سعد يمشي وسط أبنائه.
عن هذا الفنان الأستاذ كتب فريد الزاهي في مقال شهير ب” ضفة ثالثة:” هو إلى جانب المكّي مْغارة، مغمورا التاريخ الفني العربي، وعميدا مدرسة تطوان التي صار صيتها وتجربتها يثقبان أفق الفن المغربي. بل هو أكثر الفنانين المغاربة هوسًا بالتجريب، في وقت كانت فيه رموز مدرسة الدار البيضاء (بلكاهية والمليحي) تستحوذ على تاريخ الفن بالبلاد. سعد بن شفاج (من مواليد 1938) فنان صموت لا يتقن من الكلام غير أن يتحدث باقتضاب عن نظرته للفن. قضى حياته مدرّسًا بتطوان، مسقط رأسه، يؤسس لنهضة فنية سوف تؤتي ثمارها مع أسماء كثيرة كمحمد الإدريسي وعبد الكريم الوزاني ثم جيل المعاصرة كحسن الشاعر ويونس رحمون وغيرهما. تجربته المتفردة تشبه إلى حد كبير تجربة صديقه المكي مغارة، خفت أوارها لمدة قبل أن يعود، مثل طائر الفينيق، لمسرح التشكيل بقوة عهدناها فيه منذ البدايات”.

وأضاف:” لا يمكن للمرء إلا أن يعود لفترة السبعينيات ليتأمل القوة التي كانت لهذا الفنان، الدارس في المدارس الإسبانية العليا للفنون الجميلة، ثم بمدرسة الفنون الجميلة بباريس، كي يقدّر الإرث الذي تركه والأثر الذي أحدثه في الساحة التشكيلية الوطنية. كانت أولى معارضه في أواسط الخمسينيات تعبر عن قدرة فائقة على الرسم وعن سلاسة في صوْغ الشخصيات الواقعية.
الرسم ديدنه، وموهبته فيه حررته من الواقعية لينغرس سريعًا في استكشاف الخامات. ففي الوقت الذي كان فيه الفنانون العرب يجربون أشكال التجريد والتعبير، كان يقدم أعمالاً تجريدية يصوغها من كثافة المواد وبألوان ترابية وبتلوينات تذكرنا بشكل كبير بأعمال الفنان الإسباني المجدّد أنطوني تابييس (Antoni Tàpies). أدرك بن شفاج مبكرًا أن الخروج من اللوحة التقليدية لا يتم فقط بسبر الأشكال وإنما أيضًا بتحويل السَّنَد، من خلال استعمال التراب والرمل ومسحوق المرمر وإدخال عناصر خارجية على فضاء اللوحة. هذه البنائية الخامية هي التي جعلت أعماله طليعية، تفتح أمام التشكيل منافذ جديدة تحتل فيها الأرض والعالم مكان الشكل الفني.أمام التجاهل الذي عاشه هذا الفنان لمدة طويلة، عاد لواقعيته الأولى قبل أن يدهشنا مرة أخرى بتركيبة من الأعمال الفنية التي يمكن اعتبارها خلاصة حبه للتشخيص ولقول العالم على طريقته. ففي السنوات الأخيرة، تحرر الفنان من كل ما كان يشتغل في مقصدياته الجمالية. من المواد والخامات لأنها صارت تثقل مخيلته، ولأنها تُدووِلت بأشكال كثيرة في ما حوله من الفنانين الشباب، بحيث صارت مفرغة من محتواها الطليعي والتجريبي؛ كما من التجريدية التي جرَّدته من عشقه للرسم والتفاصيل وولعه بتصوير الجسد”.
وعن العودة، كتب فريد الزاهي” بعد عودته المذهلة للعرْض، ها هو يطلق العنان لشغفه التَّليد بالرسم. ثمة فورة من الأحاسيس، وتشكيلات يتخذ فيها الجسد الأنثوي جميع الأوضاع. ثمة عالم خاص يقربه أكثر فأكثر من الفن العربي والمتوسطي، هو الذي دأب لسنوات طويلة على تدريس الحضارات المتوسطية وتاريخ الفن في المعهد العالي للفنون، الذي درس به في بداية الخمسينيات مع رواد الحركة التشكيلية المغربية كمحمد المليحي ومحمد شبعة. يصوغ بن الشفاج عالمه على أجساد متداخلة بتداوير وتشكيلات يؤسلبها على طريقته الخاصة. الرؤوس تبدو كما لو كانت مستوحاة من الإرث الإغريقي، والأجساد من الفن الإفريقي. هذا التمازج الأسلوبي يمنحها صبغة هجينة تأخذ بنظرنا وتجعلنا نتأملها بنوع من السؤال والدهشة. بعد فترة تجريب الخامات وجعلها محتوى للعمل الفني يعود بن شفاج بقوة إلى الرسم والصباغة الزيتية ليقدّم لنا شخوصًا شامخة مفعمة بالتعالي. وطابعها الإغريقي الذي أشرنا إليه يؤكد هذا الانغراس في سمو الإنساني وفي ألوهته الباطنة. إنه سموّ يفوح بالمأساوية، باعتبار أن البطولة الميثولوجية مأساوية بطبعها ومحمولة على هوى الأقدار المبيَّتة التي تسيِّر مصائر بني البشر. لهذا يمسْرح الفنان شخصياته مستدعيًا إيانا إلى نوع من التأطير الداخلي للوحة. وحين يحيل إلى الميثولوجيا الإغريقية بالأخص فهو ليس الأول من بين الفنانين المعاصرين الذي يرسون بمخيلتهم في تاريخ الفن: بيكاسو والمينوتور الذي كان مولعًا به، فرانسيس بيكون، وأوريستيا إسخيلوس، أندري ماسون واشتغاله المتعدد على أوديب وآريان… كما لو أن هذه الإحالة تمنح للفنان وللوحاته بُعدًا عموديًا في تاريخ الفن والمعتقدات، وبُعدًا أفقيًا في استحضار المدى المتوسطي الذي ينتمي إليه”.
وأضاف:” بيد أن هذا التوجّه لا يجعل من بن شفاج فنانًا كلاسيكيا البتة. إنه فقط يمنح لنفسه قاعدة صلبة لم يمنحها له التجريب، ويدفعه بالتالي إلى أن يسائل بتؤدة الكلاسيكيين كل مظاهر التحولات الحديثة في طابعها التراجيدي. أما ولعه بالجسد الأنثوي فيأتي من هذا الطابع المتجدد، بحيث نراه يرسم الجسد المجرَّد من كل شيء إلا عريه، وكأنه يحيله إلى طبيعته الأولى، الشهوانية والوجودية في الآن نفسه. هذا الهوْس يمنح أعماله طابعًا صوفيًا ضمنيًا يجعل الأنثوي مرادفًا للإنساني بل التمظهر الجوهري للإنساني، ذلك أنه، على الطريقة الإفريقية، يسبغ على هذا الجسد تداوير لا رشاقة فيها، تمنحه طابعًا يقارب المقدس أو يجاوزه”. وعن عالمه، كتب” وبذلك يشكل بن شفاج عالمًا لا يقدمه لنا هكذا، وإنما من وراء حجب من اللطخات، وكأنه في جدلية الخفاء والتجلي هذه، يسعى إلى أن يستدعي نظرة المشاهد كي تغوص في تفاصيل متوارية أو بحثًا عن استكمال المشهد. هذه المواراة، التي قد تأخذ أحيانًا أشكالاً هندسية عبارة عن تشطيب (كما يقول جاك دريدا)، أي إظهارًا ومحوًا في الآن نفسه، واستشكالاً للرؤية. بحيث نجد أنفسنا هنا أمام اللوحة غير المكتملة أو اللوح الممْحو بصلصال السؤال. على هذا النحو تنبثق حكاية ممهورة بالنسيان، تبوح من غير أن تفصح، وتمنح لنا شذرات من الجسد الأنوثي كي تحوله إلى حلم أو إلى رؤيا”.
وختم مقاله:” يتابع بن شفاج تجربة مميزة، ترتاد آفاقها بكامل الثقة، وتستخرج من أعماقها أسئلة الوجود والجسد. وهو يقارب الثمانين، لا يزال يحمل في دواخله فتوَّة تجعله يمنحنا لوحات من القوة والعمق والفرادة، ما يدعونا لنعيد النظر في تاريخنا التشكيلي الحديث كي يتبوأ فيه المكانة التي حجبها عنه التجاهل والإهمال والحسابات النقدية الضيقة”.
والحقيقة أنني لم أسمع أحدا تكلم بعيب عن سعد بن شفاج، فهو يحب الجميع، والجميع يحبه، وطلبته مثل حبات الرز.
وكانت صفحة مجلة تطوان المفتوحة قد خصصت نبذة موجزة عنه، أعدها طاقمها،ورد فيها الآتي:”
ولد سعد بن شفاج في 16 يناير 1939 بمدينة تطوان، وتابع دراسته بها في مدرسة الفنون الجميلة سنة 1956، ثم انتقل إلى مدرسة الفنون الجميلة بإشبيلية و منها إلى باريس و بهما تابع دراسته الفنية وتاريخ الفن. ثم، عاد إلى إسبانيا و حصل سنة 1962 على شهادة أستاذ من المدرسة العليا للفنون الجميلة “سانتا إيزابيل دي هنغريا” بإشبيلية، ليعود إلى المغرب ويُدَرس بالمدرسة التي تتلمذ فيها بتطوان ” مدرسة الفنون الجميلة ” التي تعتبر الوحيدة بالمغرب تحت إشراف وزارة الثقافة و المعترف بشواهدها عالميا. ابن شفاج رجل خلوق ذو طبع هادئ فنان تطواني يعشق مدينته ويعشقه تلامذته الذين تتلمذوا عليه في مدرسة الفنون الجميلة بتطوان، وله صيت في تطوان والمغرب والعالم العربي و في كثير من الدول الغربية خاصة إسبانيا وفرنسا، إحدى لوحاته بيعت في المزاد العلني ضمن حلقة بيع للمزادات الدولية مخصصة للفن المعاصر بدار كريستي العالمية للمزادات بباريس٬ بسعر 50 ألف أورو، هذا إن دلّ على شيء فهو يدل على علو كعبه بين الفنانين الكبار.
وفي لحظة من لحظات تكريمه، قالوا عن سعد بن شفاج:” يعتز سعد بن شفاج باغترافه من محيط مدينته تطوان، التي يعتبرها لوحة تشكيلية مفتوحة، وبتأثره بميول والده في فن الهندسة والرسم .ويمكن اعتبار المحتفى به من بين أحد المؤسسين لصباغة وطنية حقيقية تمتح من روافد فن الصباغة والرسم من المدرستين التشكيليتين الإسبانية والفرنسية تحديدا وبروز أثر وجوه من عمالقة الفن الحديث أمثال بيكاسو، وفرانسيس باكون، وأندري ماسون رفقة مبدعين رافقاه في دروب الحياة والفن وهما عبد الله الفخار والمكي مغارة. يبرز حضور البعد المتوسطي بمضامينه المعمارية والعمرانية من خلال الأساطير الإغريقية التي تؤثث مخيلته الإبداعية وكذا حضور صور من ذاكرته الطفولية التي غمرتها حكايات والدته وشخوصها الموزعة بين الأزقة والأماكن العمومية، وخصوصا تلك التي تشكل الفضاء البصري لمدينة ذات موروث ثقافي تأصل بين الرموز الأندلسية القادمة من الجذور الموريسكية وبين باقي الثقافات التي عبرت وعمرت المنطقة. كان لفترة الحماية التي عاش في ظلها سعد بن شفاج أثر عميق على طفولته ناهيك عن آثار الحرب الأهلية في اسبانيا والحرب العالمية.لا يخفي سعد إعجابه وتعلقه بأباءه الروحيين وحسهم الإنساني وقيم حبهم للعمل أمثال ماريانو بيرتوشي وكارلوس كاييغو ودييغو غاميس الذين أمدوه بتقنيات التصوير ولاشك أن إطلاعه في أشبيلية على تاريخ الفن مرورا بالحقب القديمة من سومريين ومصريين حيث أدرك انه خلف كل صورة تاريخ وثقافة”.
وفي كلام عابر مع الشاعر محمد الجرودي، حين التقيته بمقهى الزهراء بتطوان، سألته عن الفنان التشكيلي سعد بن شفاج. قال لي: إني أسأل عنه… هنا سأقطع الكلام لأن محمد الجرودي لم يجاوب على سؤالي عن هذا الفنان الذي عرفته منذ زمن بعيد، وكنت كلما التقيت به نتبادل أطراف الحديث ويستدعيني لمرسمه، إلا أنني لا أعلم سبب عدم ذهابي إليه. ربما، كانت مشاغلي الصحفية كبيرة وكثيرة، أو لكسل ما، أو أنه لم يقدر لي أن أذهب للالتقاء بهذا الفنان التشكيلي الذي كان له أثر بعيد الغور في هذا المجال، وتأثير على طلبته والمتلقين لأعماله الفنية والتشكيلية. إلا أنني سأدرج إسمه في سلسلة كتبتها عن الوجوه التشكيلية بتطوان وخارجها مستدعيا ما كتبه عنه الكاتب والناقد والباحث والمترجم فريد الزاهي وهو المقال الذي أدركته هنا عنه. يتصور بعض الناس أن لكل سؤال جواب. هذا ما هو شائع، والشائع ليس إلا ماهو مشترك… ظن فحسب؛ لكن الحقيقة أنه ليس لكل سؤال جواب. قد يكون هناك سؤال بلا جواب.
وفي الأخير، لمن يريد أن يتعرف على سعد بن شفاج أكثر فيحاول أن يقرأ لوحاته ويتأملها جيدا، لوحاته تضيء جوانب كثيرة من تقنياته وثقافته وحياته.
