تحت القائمة

قصة السبت .. فطور عبد الجواد

يوسف خليل السباعي/ تطواني

كان عبد الجواد يبدأ فطوره عندما يستيقظ في الصباح، بعد قضائه سهرة ليلية مبهجة ومهلكة، في الديسكوطيكا، بهينيكين، لايشرب غيرها كما لو أنها محبوبته الأبدية.
وفي يوم من الأيام تجرأت عليه وقلت له:
– يا عبد الجواد ألاترى أنك تهلك صحتك بسببك هينيكين على الصباح. الناس تشرب القهوة بالحليب أو الشاي أو نسكافيه أو كابوتشينو، وأنت تشرب هذا القطران!
حدجني بنظرة غامضة ثم ابتسم بتهكم، وقال بغرابة:
– ألم تشاهد الفيل وهو يشرب سطلا مليئا بالويسكي وأنت تعرف أن الويسكي قاصح!
– أنا لم أجربه لأقول إنه قاصح. ثم مامعنى ذلك؟
– معنى ماذا؟
– لماذا أقحمت الفيل في الموضوع، لم أرى في حياتي فيلا أو أسدا أو ثعلبا أو ذئبا أو حتى كلبا أو حشرة ضخمة يشربون هينيكين أو فلاك سبسيال أو سطورك أو الويسكي.
– أنا شاهدته في فيلم يضع خرطومه في السطل ويشربه.
– يشربه هكذا… أي فيلم؟
– لم أعد أتذكره، فأنت تعرفني في الاذكار لا أقشع شيئا.
– لا تقشع… أنت لاتشعر ولاتفكر وأنت ملكية للهينيكين.
شرب عبد الجواد من فم الزجاجة، وقال:
– ألاترى بأن هينيكين لذيذة. خذ وتذوق! اشرب.
– أنت شيطان! لا، أبعدها عني، لا أريدها.
– جرب إنها لن تقتلك. ينصحون بها للشفاء.
– أنا لايشفيني غير الشعر.
– هل الشعر شفاء.
– نعم، لقد شفى العديد من المرضى.
– وهل أنت مريض؟!
– أحيانا أحس باضطراب في معدتي. لكني أعرف كيف أعالج نفسي. تصور أنني لم أمرض أبدا.
– هل أنت متأكد؟
– أجل، بكل تأكيد.
– ألم تذهب عند أي طبيب؟!
– لا أكذب عليك… و أقول الحقيقة ذهبت مرتين. مرة بسبب نزلة برد شديدة، ومرة بسبب ألم شديد في المعدة. ولا أكذب عليك. عندما كنت أشرب… كنت أحس بضغط شديد ووجهي يحمر كالدم.
– إذا، كنت تشرب مثلي. اعترف… اعترف… لست وحدي…
– … ولكن أنت تبالغ… وتقوم بشيء غير اعتيادي… تبدأ فطورك بهينيكين.
– وما العيب في ذلك؟
– العيب هو أنك زائغ.
– لا، لقد فهمتني خطأ. ليس لدي عيوب كثيرة، أنت تعرف أن العديد من الناس لديهم عيوب كثيرة، ولا أحد بلا أخطاء، فأنت تعرف أننا لسنا ملائكة.
في هذا الوقت، قاطعته، وقلت له لاتتكلم عن الملائكة و أنت شارب.
قال لي:
– لاتقلق؛ لن أتكلم عن الملائكة، ولكني سأتكلم عن الشياطين والتنانين!
– الشياطين أعرفهم، إنهم في كل مكان. أما التنانين… فلم أسمع عنهم، وإنما شاهدت تنينا ضخما في فيلم لم أعد أذكره.
– بما أنك تعرف الشياطين الذين يخربون ولايصلحون فلن أتكلم عنهم، ولكن دعني أقص عليك هذه القصة الصغيرة التي لم تسمعها في حياتك أبدا لا أنت ولا غيرك.
كنت في سبتة في حانة ومقهى ومطعم أوليسيس ( ربما سمعت عنها) وإذا بمتسولة تقف أمامي وتقترب مني وتحتك بي؛ كانت تضع قناعا على محياها، لم أرى محياها. كانت مثل أولئك الممثلاث ذوات الأقنعة الذي يؤدون أدوارا في فيلم من الأفلام يحوي مشاهد بها أقنعة ( لعلك شاهدت ذلك) كان قناعها غريبا ( ستسألني عنه) قناع تنين. استغربت وقلت في سري: ” ماذا تريد مني هذه المتسولة؟ طلبت مني أورو، ثم اختفت. لكنك ستستغرب إن قلت لك إنها لم تختفي وإنما التحقت في الفوق بأصحابها التنانين.
– قف… أرجوك… هل سكرت بهينيكين واحدة وبدأ خيالك يصور لك تنانين لاوجود لها أصلا.
– التنانين موجودة ونيرانها حارقة!
– لا… لا… لقد أصبحت أحمقا… أنا سأمضي في حال سبيلي.
– انتظر، واسمع هذه ثم امضي أينما شئت.
نهض عبد الجواد وجاء بهينيكن ثانية، وقال بعجلة: ” بعد ذلك اليوم، قلت في سري: لن أجلس في أوليسيس، وسأجلس في مقهى بالساحة قريبة منها ومن البنك وكانت بباب البنك وقفة احتجاجية بخصوص أموال ما، وهكذا، وأنا أطلب من النادل زجاجة هينيكن، رأيت المتسولة التنينة فوق… فوق بناية أثرية قديمة تخرج من فمها نارا وكانت محمية وسط أصدقائها التنانين الذين يفعلون مثلها، ثم اختلطت نيران التنانين بعصي البوليس التي كان تنزل على المحتجين، وعلى من يحتج ولايحتج، فأخذت نصيبي من النار والضرب وفي غفلة هربت، لكن جسمي كان ملتهبا ومجروحا.
ووحدي اكتشفت عن طريق الحدس الحقيقة، ذلك أنني كنت مضيت لحال سبيلي وتركت عبد الجواد يكمل شرابه ولم أصدق حتى اليوم أن هناك نيران أو تنانين وإنما تماثيل يحسبها الرائي أنها حقيقية، لكني صدقت بعد مرور الوقت بسنوات أن عبد الجواد كان نصابا ومحتالا كما كتبت عنه الجريدة!

■ اللوحة للفنان التشكيلي والكاتب عبد الهادي شلا