“صدق أبريل وكذبت كل الشهور” متاهة الروائي عبد الجليل الوزاني التهامي
قراءة .. يوسف خليل السباعي/ تطواني
في سيرته الروائية ” صدق أبريل وكذبت كل الشهور” الصادرة عن دار النشر والتوزيع مكتبة سلمى الثقافية بتطوان يضعنا الروائي عبد الجليل الوزاني التهامي في متاهة. إنه يجعلنا نسايره في مسروده السيري الروائي من خلال لوحات ومشاهد وأحداث وأفعال وأماكن وأزمنة، وفي مدن عاش فيه، كلها مقسمة إلى عناوين، ثم يجعلنا ضائعين في هذه المتاهة؛ ونتساءل هل نحن أمام وقائع أو حقائق حدثت بالفعل أم الروائي الذي يعتمد في كتابته على السيرة الروائية يخدعنا، أو يوهمنا بأنه يكتب عن أشياء وقعت له بالفعل، إلا أنه يستحضرها من ذاكرته اللاإرادية.
كيف يمكن لإنسان كان روائيا أو غير روائي أن يجعلنا نثق بما يكتب.
إن جميع من كتب سيرته الذاتية أو سيرة من الذات أو سيرة حياة أو سيرة روائية هو يكتب عن ذاته وفي علاقته بالعالم ونظرته للعالم كما يتصوره، لكن في حالة عبد الجليل الوزاني التهامي إننا أمام ” سيرة روائية” ما معنى ذلك؟ ليس هناك معنى نهائي تماما. ولكن لنحاول الحفر عن معنى ما تجريبي. فإذا كانت السيرة هي تلمح إلى ماهو ذاتي، فإن روائية تعني أفقا خياليا للخطاب… إذن، فإننا سنكون أمام سيرة تذكيرية وتخييلية ( بمعنى أننا أمام منتوج خيال)… لكن على الرغم من كل هذا، فإن عبد الجليل الوزاني التهامي يستعمل ذكاءه لجعلنا نقرأها داخل شكل مسؤول، وفي إطار ماهو أدبي. إن الكاتب سيظل يكتب منذ أن شرع في الكتابة حتى الموت ( هناك حالة مارسيل بروست كذلك)والكاتب الذي يتوقف عن الكتابة هو كاتب أصابه العجز وأدرك أنه يكرر نفسه… إلا أن كاتبا مثل عبد الجليل الوزاني هو كاتب لايتوقف… إلا للتفكير في مشروعه الروائي وتجديده.

إن” صدق أبريل وكذبت كل الشهور” عندما ننتهي من قراءتها نجد أنها تجمع مابين السيرة الذاتية والحياتية ( الكتابة عن الذات): الأب، الأم، الإخوة، الزوجة والأبناء، الطفولة اليفاعة والشباب، الدراسة وكذلك مهنة التعليم في جميع مراحله ومعاناته وانتقالاته، الحج، العمرة…إلخ. والروائية ( الأفق الخيالي للخطاب) ( الأحلام، التمنيات، الطموحات، المذاقات، الاذكار والكتابة… إلخ) كل هذا مصبوب في قالب واقعي ( زوايا الواقع) وتخييلي ( زوايا النظر الشبحي).
إن هذه السيرة الروائية الضخمة “صدق أبريل وكذبت كل الشهور” بجرأة كاتبها وذكائه كروائي متمرس على كتابة الرواية، والذي استطاع أن يعيد النظر في السيرة الذاتية، ذلك أنه من خلال قراءاته المتعددة والمختلفة، هو على دراية وإدراك بأن من كتبوا السيرة الذاتية ، وعلى الرغم من تواضعه، لم يكتبوا الحقيقة، ذلك أن الحقيقة في الأدب هي الخطأ كما سطر ذلك رولان بارت، فالحياة هي أكبر من أي سيرة كيفما كان نوعها، فهي ” خطوات أولى” هل تتبعها خطوات أخرى؟ لانعلم!
إن هذه السيرة هي ” ما يسقط في اليد” هي شذرات من حياة هاربة، لا يمكن القبض إلا على بعض أطرافها وزواياها. هكذا جمعت ” صدق أبريل وكذبت كل الشهور” أجزاء من السيرة الذاتية مغلفة بالتخييل بواسطة الذاكرة اللاإرادية، وذلك من خلال الربط بين الأشياء والأسماء وتذكرها بعد أن أضحت غائبة.
أليست الكتابة هي موت، أو هي مايتغيب. لاتبدأ الكتابة إلا مع الأسئلة والغياب.
فكيف يمكن أن نصدق أبريل ونكذب كل الشهور، إذا كان الأمر كذلك فإن العنوان ذاته يعد انقلابا ما أو على الأصح ثورة في طريقة كتابة العناوين: إنه تقويض للعادة، وللمكرر، وللدوكسا ( للرأي الشائع)، وفي هذا المنحى، تتجلى متاهة هذه السيرة الروائية التي هي جديرة بأكثر من قراءة.
