تحت القائمة

قصة السبت .. ماجدة وجميلة

🖊️يوسف خليل السباعي

غادر والدهما دنيا الله وتركاهما لوحدهما في دارة كبيرة. لم تتزوجا قط ولم تفكرا في الزواج، إلا أنهما فكرا في القضاء على الملل بفتح محل حلويات بعيد بمسافة ليست طويلة عن الدارة.

كانت ماجدة هي الكبيرة في السن، امرأة بشعر بني وبوجه دائري كالبرتقالة ترتدي ملابس بسيطة في حين كانت جميلة بشعر أسود مسود كالفحم وبوجه طويل كوجه الحصان، وترتدي ملابس أنيقة.
كانتا تعيشان في أمان وسعادة وفرح، ولاتخرجان كثيرا من الدارة، إلا أنهما لاتغيبان عن محل الحلويات إذ تتقنان صنعها، ومن طراوتها وجودتها انهالت على المحل الطلبيات وأصبح لهما مداخيل جيدة، حيث عملا على التوازن بين المداخيل والمصاريف. وكان الزبائن يتقاطرون عليهما كوابل المطر وعلى محلهما كالنحل كما كان عمال وعاملات المحل يشتغلون بجدية واهتمام وكأن محل الحلويات محلهم وهو أمر غريب ولايحدث إلا في القليل من المحلات والمصانع والشركات؛ وعلى الرغم من ذلك لم تكن ماجدة وجميلة تثقان فيهم، إذ تفتحان المحل وتقفلانه وتحتفظان بالمفتاح.
كانت الدارة بالليل تشع بالضياء القمري وكانت الأشجار المحيطة بها تزيدها ابتهاجا، كما كانتا تقفلان باب الدارة بالمفتاح ولاتدخلان أي أحد، زائرا أو متسولا أو عابر سبيل.
كانتا حريصتان على العيش في أمان وسلام وسعادة وفرح يعشقان شقشقات وترانيم الطيور الملونة المحبوسة في الأقفاص الواسعة ذات القضبان الرقيقة المصبوغة بالأبيض وتحليقاتها المحدودة من أجل الأكل أو الشرب أو التقبيل والغرام.
مرت أيام وشعور وسنوات وماجدة وجميلة لاتفترقان ولم تفكرا في الزواج على الرغم من أن الخطاب كانوا كالرمان، إلا أنهما كانتا ترفضان وترغبان في العيش على حريتهما وفي التنقل بين محل الحلويات والدارة.
وفي يوم من الأيام دخل رجل إلى محل بائع الأشياء والأغراض القديمة، وهي أغراض نادرة. لم يكن معروفا في المدينة. عرض على البائع، وكان معروفا وإسمه عبد الصمد، طوابع بريدية قديمة ونادرة، فسأله البائع من أين جاء بها؟ لم ينبس الرجل بكلمة، ثم بعد تفكير – ولأنه يريد المال- قال له إنها تعود لوالده الذي كان يجمعها منذ وقت بعيد جدا، وأنه تركها له، ذلك أن والده لم يعد يهتم بها، لأنها تذكره بماض بعيد. أعطاه البائع بعض المال، لكن الرجل لم يفهم، فقال له البائع عد غدا لإتمام البيع.
أخذ الرجل الطوابع البريدية القديمة النادرة وغادر المحل وهو حائر.
عاد الرجل في الصباح، إلا أنه لم يكن واثقا من إتمام البيع، لكن البائع كان جادا معه واشترى منه الطوابع البريدية، وأشار في نفس الوقت بيده اليمنى إلى البوليس الذين كانوا في المحل فقبضوا عليه.
لم يعترف الرجل بأي شيء، لم يعترف من أين حصل على الطوابع البريدية، قال إنه هاوي من هواة جمعها، لكن البوليس لم يصدقوه. وعلى الرغم من أن البوليس استعمل معه كل الوسائل المعروفة في الكوميساريات، إلا أنه لم يعترف بمصدر الطوابع البريدية. فتش البوليس مسكنه فعثروا على بعض المال وأوراق وأغراض نفيسة فواجهوه بها.
احتار عمال وعاملات محل الحلويات في غياب ماجدة وجميلة لمدة أسبوع؛ يأتون ويقفون عند باب المحل ثم ينصرفون، وفي يوم من أيام الله بلغوا البوليس الذين بحثوا في الأمر وتحركوا بلا جدوى.
اعترف الرجل بأنه كان يراقب دارة ماجدة وجميلة وأنه قام بتصفيتهما.
كانت ماجدة امرأة حنونة، وعندما كان تنتهي أنبوبة الغاز تطلب من أحد العاملين الإتيان بالمملوءة وتركيبها في المطبخ فيقوم بعمله وينصرف، إلا أن العامل أصيب بمرض عضال، حيث عوضه الرجل الذي أصبح يدخل ويخرج للدارة، يركب الأنبوبة ويأكل ويشرب ويسرط الحلويات اللذيذة ويتحدث مع ماجدة في موضوعات شتى، وأصبحت ماجدة تعطف عليه خصوصا عندما يشتكي لها بمرض والده بسرطان الدم.
دخل الرجل ليلا إلى الدارة من باب خلفي يؤدي إلى المطبخ، ومن المطبخ إلى الصالون الكبير والصالة الشاسعة والدرجات الطويلة الجميلة، ثم راح صوب الغرفة الأولى كانت فارغة، ثم مر إلى الثانية والثالثة فوجد ماجدة نائمة، أخذ مخدة وكتم أنفاسها، إلا أنها قاومته فعالجها بطعنة سكين إلى رقبتها ثم طعنها بشكل سريع في أنحاء متفرقة من جسمها حتى فارقت الحياة غارقة في دمائها، ثم خرج وبشكل سريع فتح باب الغرفة الرابعة وما أن رأته جميلة هائجا كثور حتى حاولت الهروب إلا أنه مسكها من شعرها وطعنها بسكين في رقبتها وفي أنحاء من جسمها، ثم سرق بعض المال وبعض الأغراض والطوابع البريدية وبعض الأوراق وخرج، بينما بقيت الدارة غارقة في الدم وفي ظلمة ساكنة.

■ اللوحة للفنان التشكيلي سعيد الشقيري