المتخيل المحجوب بين الذات والمكان في “الأبواب السبعة” ليوسف خليل السباعي
قراءة في ضوء خالد البقالي القاسمي ورولان بارت
في رواية الأبواب السبعة، القمر المحجوب، يعيد يوسف خليل السباعي تشكيل مدينة تطوان لا باعتبارها مسرحًا للأحداث فحسب، بل باعتبارها كيانًا روحيًا وذاكرة مشروخة تعج بالوجوه والأنفاس والخيبات. تتقاطع الرواية مع سردية الشتات، مع الهويات المتعددة، ومع الحنين الذي لا يملك القدرة على الترميم. وما يبدو أول الأمر احتفاءً مكانياً بالأبواب، يتحول في العمق إلى استدعاء رمزي للعبور من حالة إلى أخرى، من الحضور إلى الغياب، ومن الوضوح إلى الالتباس. وكما يشير خالد البقالي القاسمي، فإن السباعي لا يكتب عن المكان بقدر ما يكتب من داخله، منهوبًا بطاقة عاطفية كثيفة تجعله ينغرس في التفاصيل كما لو كانت أطيافًا من الذات.
القمر، ذلك العنوان الثانوي الذي اختاره الروائي كإضافة تفسيرية، لا يحضر في الرواية إلا بوصفه محجوبًا، مطمورًا خلف شيء ما. إنه ليس غائبًا، بل محجوبًا، أي أنه في مكانه، لكن شيئًا ما يحول دون ظهوره. وهذا التحديد البصري في عنوان الرواية يمارس ضغطًا دلاليًا طوال النص، حيث تحضر الشخصيات في حالة انكسار وجودي، مطاردة بأسئلة لا تجد لها أجوبة، ومصائر متشظية لا تكتمل. بنيامين بنعيم لا يعود إلى تطوان وفاءً لطفولة مشتركة أو حنينًا إلى “القدس الصغيرة”، بل يعود ليدنس ما تبقى، ليحيل المدينة إلى مخزن للممنوعات والمهربات، في مشهد يجسد الانهيار الرمزي للذاكرة الجمعية. أخوه يوشع، على النقيض، ظل مسكونًا بالقمر الذي لم يره، وظل يبحث عنه حتى قُتل، وكأن القمر الذي لم يظهر له كان نبوءة فشل لا مفر منها.
رؤية خالد القاسمي تقترح قراءة الرواية بوصفها نصًا عن الفقد: فقد المدينة لروحها، فقد الشخصيات لهويتها، وفقد السارد لدوره المركزي، إذ إن يحيى الشريف، رغم قربه المكاني والنفسي من الأحداث، لا يمتلك سلطة الفعل بل يكتفي بالرواية، بالتأمل، بالحكي الذي لا يغير شيئًا. الشخصيات تروى لبعضها، وتكتم على بعضها، وتخفي وتتستر، ليظل الجو الروائي محكومًا بما يسميه رولان بارت بـ”المتخيل الناقص”، ذلك المتخيل الذي لا يمنح القارئ يقينًا ولا خلاصًا، بل يورطه في تفكيك شبكات من الرموز التي لا تكتمل.
بارت، في تحليله للخطاب الأدبي، لا ينشغل بالمضمون الثابت بقدر ما ينهمك في كيفية تشكل الخطاب نفسه، في ديناميته، وفي المتعة التي تخلقها الفجوات والانقطاعات. من هذا المنظور، يمكن القول إن الأبواب السبعة هي نص مبني على حجب متعمد للحقيقة، وعلى إزاحة القمر عن مركز الضوء، بحيث يصبح القارئ نفسه في موقع التوتر، يبحث عن الحقيقة بين أبواب لا تفتح، وشخصيات لا تصدق تمامًا، وسرد لا يسير في خط مستقيم.
الرواية لا تكتب عن اليهود بوصفهم جماعة، بل بوصفهم تمثيلاً لتاريخ الهشاشة والارتحال والانكسار. الشتات هنا ليس تيمة دينية أو سياسية، بل هو حالة سردية، تتوزع بين السرد والمكان والوعي الجمعي، وتنعكس في التفاصيل الصغيرة: في نظرات سارة، في صمت يوشع، في طمع بنيامين، وفي ارتباك السارد. كل شخصية تحمل شتاتها الخاص، وجراحها الخاصة، لكنها في النهاية لا تجد مكانًا تترسخ فيه، لأن تطوان نفسها لم تعد تحتمل أحدًا.
من خلال هذا كله، يتضح أن المتخيل في الرواية لا يتموضع فقط في الرموز، بل في البنية العميقة للنص، حيث الحكاية الأصلية لا تكتمل، وتفاصيلها تتبدد في المسالك الجانبية، وحيث الحكايات المتناسلة تُفقد السرد استقراره، لينتج نصًا محكومًا بالهامش أكثر من المركز. لقد فشل النص – ربما عمدًا – في احتضان حكاية كبرى متكاملة، لأن العالم الروائي نفسه لا يحتمل اكتمالاً، وهذا ما يجعل الأبواب السبعة عملاً عن عالم يتفلت، عن أبواب تُفتح فقط على المجهول، وعن قمرٍ لن يُرى أبدًا إلا من خلال الغياب.
