السوعلي .. خطاب العرش، خارطة ملكية لبناء مغرب العدالة الاجتماعية والنجاعة الاقتصادية

في كل لحظة دقيقة من تاريخ الوطن، يطلّ جلالة الملك محمد السادس بخطاب سامٍ لا يكتفي فقط بتقييم المنجزات، بل يؤسس لمسار جديد يحمل في طياته وضوح الرؤية وجرأة التشخيص. خطاب العرش لسنة 2025 لم يكن استثناءً، بل لحظة مفصلية تتقاطع فيها الإرادة السياسية العليا مع تطلعات شعب يبحث عن الإنصاف، وعن كرامة معيشية، وعن دولة عادلة وقوية في آنٍ واحد.
لقد جاء هذا الخطاب في سياق إقليمي ودولي بالغ التعقيد، ليرسم خارطة طريق واضحة المعالم، تُجدد التعاقد بين الدولة والمجتمع، وتعيد الاعتبار للفعالية العمومية وللثقة السياسية. مقارنة بخطابات سابقة، يتميز خطاب 2025 بحدة النبرة، ووضوح الخيارات، وتوجيه مباشر للمؤسسات السياسية والإدارية إلى ضرورة التجاوب السريع مع التحولات المجتمعية والبيئية، وهو ما يجعله أقرب إلى خطة استراتيجية لمرحلة جديدة.
في هذا السياق، نستخلص من هذا الخطاب التاريخي مجموعة من التوجهات الكبرى، كمرتكزات استراتيجية لبناء مغرب العدالة الاجتماعية، والنجاعة الاقتصادية، والسيادة البيئية:
1. الأمن المائي والطاقي: أولوية وجودية
حين يتحدث الملك عن الماء والطاقة، فهو يدق ناقوس الخطر حول معركة السيادة في عالم متغير. المطلوب اليوم ليس فقط التحلية والتجهيز، بل عقلنة الاستهلاك، واستباق التقلبات المناخية، وتحويل التحول الطاقي إلى فرصة وطنية شاملة، مثلما تفعل بعض الدول الرائدة في المجال، من البرتغال إلى الأردن.
2. العدالة المجالية والإنصاف الترابي: لا مغرب بسرعتين
الخطاب يحمل موقفًا حاسمًا ضد منطق التمركز والتفاوت. الرسالة صريحة: مغرب الجهات لا يمكن أن يُبنى على الهامش. والمطلوب هو ربط الاستثمار بالعدالة، وتوجيه السياسات العمومية نحو القرى والمناطق المنسية التي ما زالت تنتظر ربطًا فعليًا بالتنمية.
3. تجديد العرض السياسي والإعداد الجيد لاستحقاقات 2026
من خلال دعوة جلالة الملك لإصلاح المنظومة الانتخابية، نفهم أن الزمن القادم لا يرحب بالشعارات الفارغة، بل بالعروض الصادقة والمقنعة. وإن الانتخابات ليست هدفًا في حد ذاتها، بل محطة لاختبار نضج الطبقة السياسية وجرأتها في تقديم بدائل واقعية وقابلة للتنفيذ.
4. الاقتصاد الاجتماعي: من هوامش الاقتصاد إلى قلب التنمية
لم تعد التعاونيات والمبادرات الصغيرة هامشًا للسياسات، بل أصبحت رافعة رئيسية لتقليص الفوارق وإعادة توزيع الثروة. الاقتصاد التضامني، كما عبّر عنه الخطاب، ليس صدقة اقتصادية، بل ركيزة لعدالة اجتماعية فعلية، تتيح تمكين النساء والشباب من مدخل اقتصادي مستقل.
5. القضاء على الانتظارية: لا مجال للتردد ولا للأعذار
جلالة الملك وضع الحد بين من يشتغل وينجز، ومن يتذرع بالمساطر والعراقيل. المرحلة المقبلة لن تقبل مسؤولين يمضون ولا يقررون، ولا سياسات تُصاغ ولا تُفعل. إنها لحظة الحسم بين “ثقافة الانتظارية” و”ثقافة الفعل والمحاسبة”، وهو ما يُحتم مراجعة عميقة لوظائف الدولة وفعالية الإدارة.
6. قضيتنا الوطنية والعلاقة مع الجزائر: الثبات والحوار
في زمن الضبابية، يحافظ المغرب على وضوح موقفه: الحكم الذاتي هو الحل الواقعي للنزاع المفتعل حول الصحراء، ومد اليد للجزائر ليس ضعفًا بل تعبير عن قوة الإرادة والوحدة المغاربية. السيادة الوطنية ليست محل تفاوض، ولكن حسن الجوار خيار استراتيجي منسجم مع العمق التاريخي والإنساني للشعبين الشقيقين.
بهذه التوجيهات، يرسم الخطاب الملكي ملامح مرحلة جديدة، تُعيد التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، وتستدعي نخبًا جديدة قادرة على مواكبة الرؤية الملكية بالفعل لا بالقول، وبالنتائج لا بالخطابات.
وإن استيعاب مضامين هذا الخطاب يفرض مسؤولية مشتركة على الأحزاب السياسية والمجتمع المدني والإعلام، من أجل الانخراط الفعلي في تنفيذ هذه الرؤية، وتوسيع هامش المشاركة المواطنة، وتحصين الأمل الجماعي من أي ارتداد أو تأجيل.
ولا يسعنا، كاتحاديات واتحاديين، إلا أن نؤكد أن ما ورد في الخطاب الملكي السامي يتقاطع بعمق مع أولويات حزب القوات الشعبية، ويعبّر عن المطالب الجوهرية التي دافع عنها الحزب في كل محطاته التنظيمية والسياسية، سواء على المستوى الإقليمي أو الجهوي أو الوطني. إن الدعوة إلى إعادة النظر في مدونة الانتخابات، وضمان إشراك الأحزاب السياسية في صياغة مضامينها، تُعد من بين المطالب العاجلة التي تصدرت أشغال المجلس الوطني لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المنعقد يوم 26 يوليوز 2025 بالرباط، في أفق التأسيس لمرحلة سياسية جديدة عنوانها الشفافية، والتمثيلية الحقيقية، وتجديد الثقة في العمل الحزبي والمؤسساتي.
ولعل ما تشهده الساحة التنظيمية من دينامية مؤتمرات إقليمية وجهوية، من تطوان إلى وجدة، ومن الناظور إلى الراشدية، ومن أكادير إلى مكناس، ومن خريبكة إلى بني ملال، ومن الدار البيضاء إلى الرباط وسلا وتمارة، لهو خير دليل على أن الاتحاد الاشتراكي عاد ليتفاعل بعمق مع نبض المجتمع، ويؤسس، بثقة ومسؤولية، لعرض سياسي بديل ومتجدد، يتماشى مع التوجيهات الملكية السامية، ويجيب عن انتظارات المواطنات والمواطنين، في أفق بناء مغرب الديمقراطية الاجتماعية والعدالة المجالية والكرامة الإنسانية.
وبهذه الرؤية الملكية المتقدمة، يجد حزبنا، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ما يعزز اختياراته التاريخية في الانتصار للعدالة الاجتماعية والديمقراطية. إننا كاتحاديات واتحاديين، نعتبر أنفسنا في قلب هذا الورش الوطني المتجدد، نضع إمكانياتنا النضالية، ومشروعنا السياسي، رهن إشارة الوطن، من أجل مغرب أكثر عدالة، ومؤسسات أكثر مصداقية، ومستقبل أكثر إنصافًا لأجياله الصاعدة.
