تحت القائمة

زيارة وزير الصحة لتطوان .. بروباغندا تغطي على تردي القطاع

✍️عماد بنهميج / تطواني

تتوالى الزيارات البروتوكولية لوزير الصحة إلى مستشفيات تطوان والناظور وأكادير، محاطا بالكاميرات ومصحوبا بخطابات براقة عن “الإصلاح” و”التأهيل” و”التجويد”. لكن خلف هذه الواجهة المزيفة، تتكشف حقائق مرة. مستشفيات بلا أطباء، أطر طبية تشتغل إلى حد الإنهاك، ومرضى يواجهون الموت في صمت داخل أقسام عاجزة عن تلبية أبسط شروط العلاج.

لقد تحول الوزير المقرب من رئيس الحكومة في نظر نقابات الصحة، من مسؤول يفترض أن يواجه الأزمات بشجاعة، إلى مجرد مدير حملة دعائية دائمة. يكتفي بالصور واللقطات التلفزيونية، فيما يترك مئات المواطنين محتشدين أمام أبواب المستشفيات يصرخون ضد نقص الأطباء وضد خدمات متردية لا ترقى إلى الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.

إن الأزمة لم تعد خافية على أحد. خصاص خطير في الموارد البشرية يجعل من المستحيل على الطبيب أن يقدم خدمة طبية لائقة. في أقسام المستعجلات يجبر طبيب واحد على استقبال عشرات الحالات في ساعة واحدة، بينما يرهق الممرضون بساعات عمل طويلة تفوق طاقتهم. الأطر الطبية نفسها باتت تحتج، لأنها تركت وحيدة في مواجهة ضغط اجتماعي ونفسي هائل دون وسائل عمل كافية، ولا حماية مهنية، ولا تحفيز يوازي حجم التضحيات.

وبدل أن يصارح الوزير المغاربة بهذا الواقع المر، ويضع خطة إنقاذ حقيقية للمنظومة الصحية تقوم على الرفع من الميزانية المخصصة للقطاع، وتشجيع الكفاءات الطبية على البقاء في الوطن، وضمان توزيع عادل للخدمات الصحية، اختار أسهل الطرق. زيارات مرتبة بعناية وربما حتى مظاهر الاحتجاج قد تكون مجهزة الإخراج وليست عفوية. هذا السلوك ليس مجرد خطأ في التقدير، بل هو تهرب صريح من المسؤولية السياسية والأخلاقية. فحين يعجز المواطن عن إيجاد طبيب في مستشفى عمومي، لا يتحمل المسؤولية إلا الوزير الذي يفترض فيه أن يؤمّن هذا الحق الدستوري.

إن الاحتجاجات التي تعرفها المدن المغربية ليست سوى إنذار متكرر بأن الوضع لم يعد يحتمل، وأن الثقة بين الحكومة والمجتمع في ملف الصحة تتآكل يوماً بعد يوم. فالمواطنون لم يعودوا يصدّقون لغة التجميل الإعلامي، والأطر الطبية لم تعد تقبل أن تعامل كأداة لتلميع صور المسؤولين بدل أن تمنح الوسائل لتقديم خدمة حقيقية.

لقد آن الأوان لأن يتوقف الوزير عن لعب دور “الممثل السياسي” الذي يتقن فنون الظهور الإعلامي ويتجاهل صلب الأزمة. ما يطلبه المغاربة اليوم ليس خطبا رنانة ولا صورا مصطنعة، بل قرارات شجاعة. مضاعفة الاستثمار في الصحة، تحفيز الأطباء على البقاء بدل الهجرة، الاعتراف بالحقوق المهنية للأطر، وضمان وصول المواطن إلى العلاج في أي نقطة من البلاد.

إن الاستمرار في هذا النهج الدعائي لن يؤدي إلا إلى مزيد من الانفجار الاجتماعي. فحين يصبح المستشفى فضاء فارغا من الأطباء، وحين يضطر المواطن إلى الاحتجاج بدل أن يتلقى العلاج، وحين يترك الطبيب والممرض في مواجهة جيش من المرضى بلا وسائل، فإن مسؤولية الوزير لا تسقط بخطاباته ولا تمحى بصوره. إنها مسؤولية سياسية ثقيلة، وسيُحاسب عليها عاجلاً أم آجلاً أمام التاريخ وأمام المجتمع.