تحت القائمة

سوق الجملة بتطوان.. مؤشرات مالية تصاعدية تخفي أزمة حوكمة وتدبير

أثار الكشف عن تقديرات مداخيل سوق الجملة للخضر والفواكه بتطوان نقاشا واسعا داخل المجلس الجماعي، بعد أن أظهرت معطيات مشروع ميزانية الجماعة الحضرية لسنة 2026 أن مجموع المداخيل والرسوم المفروضة على الوكلاء بلغ 50 مليون درهم خلال سنة 2025، مع توقع ارتفاعها إلى 58 مليون درهم في السنة المقبلة.

هذا الارتفاع المرتقب أثار تساؤلات داخل المجلس، خاصة من طرف المعارضة، حول الآليات والإجراءات التي ستعتمد لتحقيق زيادة قدرها 8 ملايين درهم خلال سنة واحدة، في ظل استمرار المعيقات التنظيمية واللوجستية التي عانى منها السوق خلال السنوات الأخيرة.

ويعاني سوق الجملة للخضر والفواكه بتطوان من ضعف كبير في البنيات التحتية والخدمات اللوجستية، أبرزها نقص فضاءات التبريد، وسوء تنظيم تدفق السلع، وضعف المراقبة عند مغادرة الشحنات للسوق. كما يفتقر السوق إلى معايير السلامة في حفظ الصناديق البلاستيكية والخشبية، ما تسبب في حريق كبير السنة الجارية خلف خسائر مادية مهمة.

وتبرز هذه الوضعية هشاشة مفهوم المساءلة الإدارية داخل الجماعة، خاصة بعد إعفاء المدير السابق للسوق وتعيين إدارة جديدة روج لها باعتبارها مرحلة إصلاح، قبل أن تظهر محدودية أثرها على المداخيل وعلى جودة الخدمات. إذ لم تتجاوز المداخيل الفعلية 40 مليون درهم، أي أقل من التقديرات الرسمية، في وقت تعتبر فيه المعارضة أن إمكانات السوق كفيلة بمضاعفة هذا الرقم لو تم اعتماد حكامة مالية ورقابية صارمة.

وتتجلى مظاهر الخلل أيضا في غياب آليات النشر الاستباقي للمعطيات المالية، إذ لا تتوفر الجماعة على بوابة إلكترونية متكاملة تتيح للعموم الاطلاع على تفاصيل المداخيل والنفقات، ما يتنافى مع مبادئ الشفافية المنصوص عليها في القوانين التنظيمية للجماعات الترابية.

وعبر عدد من المواطنين بتطوان عن تذمرهم من جودة بعض المواد الغذائية المتداولة في أسواق القرب، خاصة الفواكه المخزنة في “مخازن التبريد” لفترات طويلة، والتي تتعرض للتلف السريع بسبب الحرارة أو سوء التخزين. ويثير ذلك شبهات بشأن معايير المراقبة داخل سوق الجملة والخروقات المحتملة التي تسمح بترويج منتجات لا تستوفي شروط السلامة، ما دفع إلى المطالبة بفتح تحقيق من طرف رئاسة الجماعة والسلطات المختصة.

وسبق لفريق المعارضة أن دعا إلى افتحاص مالي شامل لتدبير السوق، من أجل تقييم النجاعة في التحصيل المالي ومدى مساهمة هذا المرفق في ميزانية الجماعة التي تعتمد عليه بشكل أساسي. واعتبرت هذه الخطوة مؤشرا على أن الرهان على الإدارة الجديدة لم يحقق النتائج المرجوة.

ويأتي هذا الجدل في وقت تتواصل فيه أشغال مشروع القطب الاقتصادي الجديد الذي من المنتظر أن يحتضن السوق في حلته العصرية، حيث يطالب التجار بإشراكهم في عملية الانتقال ووضع معايير واضحة لتحسين الخدمات وضمان الانتقال السلس إلى المقر الجديد.

ويرى مراقبون أن سوق الجملة بتطوان يعكس نموذجا مصغرا لأزمة الحكامة المحلية في تدبير المرافق العمومية، حيث يغيب الربط بين المسؤولية والمحاسبة، وتُدار الموارد وفق منطق يومي أكثر من كونه استراتيجيًا. فالانتقال المرتقب إلى القطب الاقتصادي الجديد يظل، في ظل هذا السياق، اختبارًا حقيقيًا لقدرة الجماعة على إرساء نموذج حديث قائم على الشفافية، وتدبير الأداء وفق مؤشرات مضبوطة.

وفي غياب إصلاح إداري مؤطر برؤية واضحة ومراقبة مالية مستقلة، تبقى كل الزيادات المعلنة في المداخيل أرقاما بلا مضمون تنموي حقيقي، وتبقى سوق الجملة بتطوان عنوانا لواقع تحتاج فيه الجماعات الترابية إلى إعادة تعريف مفهوم التدبير المسؤول والحوكمة الجيدة.