رغم وضوح التوجيهات الصادرة عن وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، والتي شددت على أولوية القطاعات الأساسية مثل التشغيل والتعليم والصحة في إعداد ميزانيات الجماعات الترابية للسنة المالية 2026، إلا أن الواقع على الأرض يظهر فجوة واضحة بين السياسات المركزية والممارسات المحلية.
الدورية التي أصدرها الوزير تحمل رسالة قوية للجماعات الترابية، إذ أكدت على ضرورة اعتماد مقاربة حديثة في التدبير المالي ترتكز على النتائج والمؤشرات الفعلية، بدلا من الاقتصار على النفقات التقليدية للتسيير. هذا التوجه يضع على عاتق الولاة والعمال والآمرين بالصرف مسؤولية ضمان توافق ميزانيات الجماعات الترابية ومجالس الجهات مع الأولويات الاجتماعية.
ومع ذلك، تكشف أمثلة مصادق مجلس جهة طنجة–تطوان–الحسيمة في دورة أكتوبر 2025 على دعم 135 نقطة أغلبها موجهة للمهرجانات والأنشطة الثقافية والفنية، عن فجوة بين التوجيهات الرسمية والحقيقة الميدانية، خصوصا أن العديد من المدن والقرى بالجهة لا تزال تعاني من نقص حاد في الخدمات الأساسية كالمدارس والمراكز الصحية.
هذا الانحراف عن الأولويات المعلنة أدى إلى موجة انتقادات واسعة من المواطنين، ولا سيما الشباب من “جيل Z”، الذين اعتبروا أن تمويل الأنشطة الاحتفالية على حساب القطاعات الأساسية بمثابة “تجميل التنمية” دون معالجة حقيقية للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية.
في المقابل، جماعات محلية مثل تطوان واصلت منح الأولوية للفعاليات الثقافية والفنية، رغم الحاجة الماسة إلى دعم التعليم والصحة والتشغيل، وهو ما يعكس ضعف استجابة الجماعات الترابية لمطالب المواطنين والتوجيهات المركزية.
هذا التباين بين الخطاب الرسمي والممارسة المحلية يسلط الضوء على قصور آليات الرقابة والتنسيق، ويطرح تساؤلات حول مدى قدرة الدولة على فرض أولوياتها على الجماعات الترابية، خصوصا عندما تتعارض هذه الأولويات مع مصالح أو توجهات محلية معينة.
بالتالي، يمكن القول إن مطالب المواطنين وضرورة تعزيز الخدمات الأساسية بقيت خارج دائرة اهتمام بعض الجماعات الترابية، على الرغم من وضوح التوجيهات الرسمية، ما يبرز الحاجة إلى آليات أكثر فعالية لمتابعة تنفيذ الميزانيات وتحديد الأولويات المحلية بما يتماشى مع الاستراتيجيات الوطنية.
