في مواجهة الشعبوية الحكومية
د. السوعلي / عضو المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي
الشعبوية ليست انزلاقا خطابيا عابرا، بل هي أسلوب حكم متكامل، أو حتى نمط لتدبير سلطة تفتقر إلى الرؤية. عندما تفشل السياسات العمومية، يحلّ الشعار محلّ الاستراتيجية؛ وعندما تتفاقم اللامساواة، يحلّ التواصل محل القرار؛ وحين يتملّك الشكّ المجتمع، يردّ الجهاز التنفيذي بالتبسيط والإيهام.
في هذا السياق المفقر، تتحمّل الأحزاب السياسية اليوم مسؤولية تاريخية حقيقية: فإما أن تواكب ترسيخ حكم شعبوي دائم، أو أن تعيد بناء السياسة عبر استرجاع معناها ومضمونها.
إن الحكم القائم يجعل من الشعبوية منهجا. فهو يتحدث باسم الشعب من دون أن يفعل المسارات التشاركية التي كان من شأنها تمكينه من فهم انشغالات المواطنين، فضلاً عن انتظاراتهم. يدعي القرب، لكنه يركّز القرار؛ ويستدعي الفعالية، فيما يُضعف الأجسام الوسيطة والمؤسسات الديمقراطية.
ليست الشعبوية مجرد أداة ظرفية، بل هي أيضاً ثقافة سياسية قائمة على الوعود المتتالية، والإعلانات بلا متابعة، والقرارات من دون نقاش. إنها حكم يقوم على الصراع الدائم، من دون اختيارات ديمقراطية واضحة، ويخفي غياب الإصلاحات البنيوية خلف ضجيج التواصل
ليس من قبيل الصدفة أن تشكّ الحكومة في التنظيمات الترابية القوية. فهي عصيّة على الضبط، تُنتج النقاش، وتكشف التناقضات بين الخطاب الوطني المعلّب والواقع المحلي المعاش.
إن إعادة الاعتبار للمستويات المحلية والجهوية تكسر هذه الآلية، وترفض ممارسة السياسة بعيداً عن الأقاليم، وعن التجارب الملموسة للمواطنين. فاللامركزية ليست إجراء إداريا محضا، بل خيارا سياسيا يؤكد أن التحول الاجتماعي لا يمكن أن ينبع من قائد مُنقذ أو من حكومة مغلقة.
من خلال إعادة تأهيل المستوى الجهوي والإقليمي، يصبح بالإمكان تقليص الفجوة بين ما تعلنه السياسات العمومية وما يعيشه المواطنون فعلياً، وفتح المجال لسياسة متجذرة في الواقع وقادرة على مساءلة السرديات الرسمية.
تحوّل الشعبوية المواطن إلى متفرّج، وتستبدل المشاركة بالانخراط العاطفي. في المقابل، يقوم التنظيم الحزبي الحقيقي على تكوين مناضلين فاعلين، قادرين على التحليل والنقد وصياغة البدائل. إنها ديمقراطية متطلبة، وأحياناً صدامية، لكنها تشكّل النقيض الفعلي لنزع التسييس المنهجي.
إن مواجهة حكومة تخلط بين الاستقرار والجمود تقتضي معارضة قطيعة: قطيعة مع سياسات اللامساواة، ومع الحكم عبر التواصل، ومع ازدراء الأجسام الوسيطة. الهدف ليس معارضة شكل الحكم فقط، بل الإعداد المنهجي لبديل سياسي حقيقي.
لا تُهزم الشعبوية بشعارات أفضل، بل بتنظيمات أقوى. فالتنظيم يعيد للسياسة بعدها الجماعي، ويحوّل الغضب الاجتماعي إلى فعل ديمقراطي واعٍ، ويمنح المجتمع القدرة على مراقبة السلطة بدل الاكتفاء بالتفاعل مع رسائلها.
بعيدا عن كونها عائقا، يمكن للإقلمة أن تستعيد دورها كقوة للتحول الديمقراطي، متجذّرة في الأقاليم والقيم، وقادرة على مواجهة الشعبوية الحكومية ببديل ذي مصداقية اجتماعية وسياسية
