تحت القائمة

الحاج الألماني… من الفيلق الأجنبي إلى مستشار عبد الكريم الخطابي

خوصي ماريا كمبوس / ترجمة عن إلفارو سبتة

لا بد من الإقرار بأن جزءا مهما من النجاحات التي حققها عبد الكريم الخطابي كان بفضل مساعدة منشقّ عن الفيلق الأجنبي الفرنسي يدعى جوزيف أوتو كليمس. ويعد أشهر المتعاونين الأجانب مع عبد الكريم ألمانيًا.

وُلد كليمس عام 1893 في دوسلدورف وينحدر من أسرة ميسورة. وبعد أن زور شيكات باسم والده بقيمة بلغت 200 ألف مارك وفرّ مع عشيقته التي تكبره بست سنوات، عاش حياة مترفة في باريس والريفيرا الفرنسية وإسبانيا وتركيا والمغرب.

بعد أن تخلت عنه تلك المرأة، خدم في الجيش ثم في جهاز الاستخبارات الألماني قبل أن يُطرد منه، لينتهي به المطاف في الفيلق الأجنبي الفرنسي. وقد وصل إلى رتبة رقيب، لكن بعد ارتكابه عدة مخالفات واكتشاف الفرنسيين ماضيه المضطرب كجاسوس، جرى تجريده من رتبته، وهو ما دفعه إلى الفرار من هذا السلك.

وأثناء هروبه، انضمّ كليمس إلى عدد من القبائل، من بينها قبيلة بني وريان. وبعد أن اعتنق الإسلام، تزوّج خلال حياته بعدة فتيات أمازيغيات، وقاتل الفرنسيين والإسبان في مناسبات عديدة. وكان يترك فوق جثث رفاقه القدامى ورقة مثبّتة بدبوس كتب عليها: “الحاج الألماني”.

عبد الكريم الخطابي والريف وكليمس

جوزيف كليمس، “الحاج الألماني”، مستشار عسكري للخطابي في شؤون المدفعية

وفيما بعد، عرض “الحاج الألماني” خدماته على محمد بن عبد الكريم، وبعد موافقة هذا الأخير، أصبح مستشارا فعّالا في مجالات المدفعية والاتصالات والخنادق والطبوغرافيا وسائر الشؤون العسكرية. وكان عبد الكريم ينعته بـ“مدفعيّ الكبير”، وقد وضع بالفعل خرائط دقيقة للغاية، ونصَب قطع المدفعية، وأدار رماياتها، ودرب الكثير من خدم تلك الأسلحة. كما أشرف على تصميم الأعمال التحصينية وإقامة خطوط الدفاع. ومن ناحية أخرى، ومن خلال منشورات ألقيت بلغته على المواقع الفرنسية، نجح في دفع بعض الألمان إلى الانشقاق عن الفيلق الأجنبي والانضمام إلى جيش محمد بن عبد الكريم.

وقد نشرت الصحافة أخبارًا متباينة عن هذا المعاون العسكري لعبد الكريم؛ فمرة قيل إنه توفي في جزيرة الشيطان، ومرة أخرى إنه انتحر بعد ترحيله إلى ألمانيا.

وربما كانت تحفته الهندسية الكبرى هي بناء المنظومة الدفاعية الريفية في مواجهة أجدير بعد إنزال الحسيمة. فقد استغلّ عبد الكريم توقّف تقدّم الإسبان خلال شتاء 1925، وكلّف كليمس بإنشاء تلك التحصينات. وكانت عبارة عن خط من الخنادق المصمّمة بإتقان، مع مرابض للرشاشات وحماية للمقاتلين وللأسلحة من نيران المدفعية والطيران. أما الخط الثاني من التحصينات فكان يحمي المقرّ العام لعبد الكريم في المنطقة. وقد اعتبر هيئة الأركان الإسبانية هذه الأعمال مشابهة لتحصينات الحرب العالمية الأولى.

وعندما استسلم عبد الكريم للفرنسيين في ماي 1926، حاول كليمس التظاهر بأنه أحد خدّام الأسرى متنكرا في زيهم، لكن تم التعرف عليه من قِبل رفاقه السابقين واعتقل، ثم قُدم إلى محكمة عسكرية. وتلاشى أثره إلى الأبد وهو في الخامسة والأربعين من عمره بعد نقله إلى جزيرة الشيطان.

وجود كليمس ومنشقين آخرين يفسر جانبا من انتصارات الريفيين بفضل الاستخدام الفعال للأسلحة والمقاتلين، كما كانت تدخلاته حاسمة في الحملة ضد فرنسا، بحكم معرفته الدقيقة بأنظمة الدفاع الفرنسية.

كليمس شارك في معركة إنزال الحسيمة

وخلاصة القول، فإن جوزيف أوتو كليمس — مرتديا جلابة فضفاضة وسروالا واسعا — خاض معارك عديدة وأصبح مقيما في بني ورياغل، وكان له في النهاية أربع زوجات، واستقبل صحفيين من بينهم فنسنت شهّان، مؤلف كتاب “رحلة إلى حرب الريف”.

وحتى وفاته ظلت موضع جدل؛ إذ يرى بعض المؤرخين أنه توفي في جزيرة الشيطان ودفن هناك، بينما يؤكد آخرون أنه رُحل إلى ألمانيا النازية وانتحر بعد اعتقاله بتهمة بسيطة. وقد كانت حياته حافلة بالمغامرات إلى درجة أنه أُنتج عام 1971 فيلم بعنوان “الرقيب كليمس”

تحت المقال