في مدن تملك نسيجا اقتصاديا قويا، تفهم الأزمات المالية التي تمر بها الأندية الرياضية بوصفها محطات طبيعية داخل دورة الاقتصاد الرياضي. غير أن المشهد في تطوان يبدو مختلفا تماما، فبمجرد أن يعترف نادي المغرب أتلتيك تطوان بوجود ضائقة مالية، يتحول النقاش من التحليل الموضوعي إلى هجوم مباشر على المكتب المسير، وكأن الأزمة خيار إداري محض، لا نتيجة بنية اقتصادية هشة وواقع مالي يعرفه سكان المدينة قبل غيرهم.
لا يختلف اثنان داخل تطوان حول حقيقة صارت جزءا من شكايات المواطنين اليومية تتعلق بالركود الاقتصادي وتراجع الدينامية التجارية وفرص الشغل، وهي مؤشرات لطالما اعتبرت سببا مباشرا في جزء من الإشكالات الاجتماعية الكبرى بالمدينة. هذا المعطى يُستحضر بقوة حين يتعلق الأمر بالمعيش اليومي للتطوانيين، لكنه يختفي فجأة عندما ينتقل النقاش إلى أزمة النادي، إذ يطالب المسيرون بإنتاج موارد غير موجودة أصلا داخل محيط اقتصادي محدود، وكأنه يشتغل في مدينة أخرى لا تعرف القيود نفسها ولا تعاني من الضيق ذاته.
منذ سقوط الفريق إلى القسم الثاني، فقد النادي واحدا من أهم روافده الثابتة المتعلقة بعائدات النقل التلفزي التي كانت تمثل جزءا أساسيا من موارده السنوية. ومع غياب هذا المورد، أصبحت ميزانية النادي تعتمد بدرجة كبيرة على دعم جماعة تطوان، في ظل غياب مستشهرين كبار مثل ( لافارج، العمران، أمانديس؛ ) مؤسسات كان بإمكانها تحمل جزء من التكلفة المرتفعة للممارسة الاحترافية. وبين محدودية الطاقة الاستيعابية لملعب سانية الرمل ومداخيله الضعيفة، وتوالي الغرامات المرتبطة بسلوكات في المدرجات، تتآكل الموارد أكثر فأكثر، فتتحول الأزمة إلى نتيجة منطقية لاقتصاد مدينة محدود، قبل أن تكون ثمرة قرارات تقنية أو تدبيرية.
المفارقة الصارخة أن الأوساط الرياضية الدولية، حين تناقش أزمات أندية كبرى مثل نادي برشلونة الذي عانى خلال السنوات الأخيرة من أزمة مالية عميقة دفعته إلى إعادة هيكلة الديون وتقليص كتلة الأجور وتأجيل تسجيل لاعبين، يتم التعامل مع الأمر باعتباره تحديا ماليا بنيويا له أسباب اقتصادية موضوعية، لا كفرصة لاتهام الإدارة أخلاقيا أو شيطنة خياراتها. وقد تناولت وسائل إعلام مرموقة هذه الأزمة في إطار تحليل دقيق لجذور الأزمة وإعادة الهيكلة.
وإذا كان ناد بحجم برشلونة، بموارده المالية الضخمة محليا ودوليا، قد وجد نفسه أمام أزمة مالية معقدة، فكيف يطلب من ناد صغير ينشط في مدينة محدودة الموارد بلا داعمين كبار ولا عائدات بث ولا سوق استشهار حقيقية أن يشتغل بالمنطق نفسه وكأنه يعيش في بيئة اقتصادية مماثلة.
بدل توجيه النقاش نحو جذور المشكلة، يتم تحويل الأزمة محليا إلى منصة لتصفية الحسابات مع المكتب المسير، والدفع في اتجاه الاستقالة أكثر مما هو البحث عن بدائل تمويلية واقعية. بل يقدم أحيانا شعار “ضرورة عقد الجمع العام الآن” كأنه حل مالي سحري، بينما الحقيقة أن عقد الجمع العام لن يخلق موارد جديدة ولن يعالج فقدان عائدات النقل التلفزي؛ بل سيتحول إلى أداة ضغط لتغيير الوجوه فقط لا إلى نقاش عقلاني حول الحلول وشروط الاستدامة المالية.
الأدهى من ذلك أن بعض من قدموا أنفسهم في مراحل سابقة كـمنقذين ومخلصين للنادي من أزماته، سرعان ما اتخذوا مسارا مختلفا عندما تعلق الأمر بمصالحهم المباشرة؛ إذ اتجهوا إلى الحجز على حساب النادي بدعوى تحصيل ما يعتبرونه ديونا مستحقة. هذا التناقض لا يفتح فقط نقاشا حول نزاهة الخطاب، بل يكشف أيضا حاجة ملحة إلى شفافية أكبر في علاقة المتعاملين مع النادي بماليته والتزامهم بروح المسؤولية الجماعية قبل المطالبة بامتيازات فردية.
لكي يتجاوز المغرب أتلتيك تطوان أزمته، فإنه بحاجة إلى موارد مالية قارة وحلول ناجعة لا تتحقق بمجرد عقد جمع عام أو تغيير وجوه في الإدارة. وإنما يتطلب انخراط مؤسسات كبرى ورعاة استراتيجيين تستثمر في الشركة الرياضية للنادي، على غرار النماذج التي اعتمدتها أندية وطنية أخرى مثل الرجاء الرياضي والمغرب الفاسي، حيث لعبت استثمارات المؤسسات الاقتصادية الكبرى وشراكات المستشهرين دورا محوريا في الاستقرار المالي ومعالجة الديون.
لا شك أن المؤسسات المنتخبة كجماعة تطوان والمجلس الإقليمي تظل شريكا مهما في التنمية المحلية، لكن لا ينبغي لها أن تتحمل وحدها عبء دعم النادي في غياب بيئة اقتصادية قوية ومستشهرين قادرين على الاستثمار على المدى الطويل. إن تحويل النادي إلى مشروع اقتصادي مؤسس على شراكات استراتيجية واستثمارات حقيقية هو السبيل الوحيد لتخفيف الضغط المالي، وضمان استمرارية الفريق، وإعادة بناء ثقة الجمهور الذي يبحث عن أمل حقيقي أكثر من الشعارات.
الأندية لا تنقذ بالخطابات الانفعالية ولا بتغيير المكاتب واحدا تلو الآخر، بل ببناء منظومة دعم اقتصادي وجماعي. داعمون محليون، شراكات مؤسساتية، تطوير العائدات المالية، والمصالحة مع حقيقة أن النادي يتحرك داخل الاقتصاد نفسه الذي يشتكي منه سكان المدينة يوميا.
النقد مطلوب، بل ضروري، لكنه يصبح عادلا فقط عندما يعترف بالسياق الكامل. ركود اقتصادي تعترف به الساكنة، فقدان عائدات النقل التلفزي بعد النزول للقسم الثاني، غياب مستشهرين كبار، وضعف قاعدة الموارد الجماهيرية. أما اختزال الأزمة في أشخاص فذلك لا يقرب الحل، بل يزيد المسافة بين الواقع والخطاب
