كيف جرى توظيف الهزيمة الرياضية للتشكيك في نجاح المغرب التنظيمي

يقتضي النقاش الجاد تسمية الأمور بمسمياتها. فاختزال كأس إفريقيا للأمم، التي احتضنها المغرب، في نتيجة النهائي فقط، لا يُعد قراءة رياضية بقدر ما هو توظيف سياسي مقصود. إنها مقاربة تهدف إلى حجب حقيقة أساسية تزعج البعض. المغرب أكد، من خلال هذا الحدث، قدرة تنظيمية ودولية لا تقوم على الخطاب، بل على الإنجاز. مباراة انتهت، لكن مصداقية ترسخت، وعلى المستوى الاستراتيجي خرج المغرب رابحًا.
الدولة اشتغلت بمنطق مؤسساتي واضح، والأرقام تبقى خير دليل. فقد شكلت البطولة اختبارا عمليا لمن يشككون، فعندما يتخذ القرار، تعمل الدولة المغربية بمنهجية. الوقائع تشير إلى أكثر من ستة ملاعب بمعايير دولية، جرى تأهيلها أو تسليمها في الآجال المحددة، بطاقة استيعابية تفوق 45 ألف مقعد في المنشآت الرئيسية. كما تم الاعتماد على شبكة نقل حديثة، يتقدمها القطار فائق السرعة “البراق” الرابط بين طنجة والدار البيضاء في ما يزيد قليلا عن ساعتين، مدعوما بشبكة طرقية وسككية ضمنت انسيابية التنقل طيلة المنافسة.
على المستوى السياحي، تمت تعبئة طاقة فندقية تفوق 270 ألف سرير دون تسجيل ضغط استثنائي، في وقت استوعبت فيه المطارات الدولية تدفقات كبيرة دون اختلال يُذكر. لم تسجل فوضى لوجستية، ولا حوادث أمنية بارزة، ولا انهيار في الخدمات. هذا الأداء العملي يتناقض مع بعض الخطابات التي سعت إلى تصوير التنظيم كفشل ممنهج.
الحضور الجماهيري بدوره عكس تعبئة شعبية واسعة. فقد تجاوز عدد المتفرجين 1.1 مليون شخص طيلة البطولة، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ كأس إفريقيا للأمم، متجاوزا كل النسخ السابقة. مرحلة المجموعات وحدها استقطبت أكثر من 729 ألف متفرج، ما يؤكد أن الإقبال لم يكن ظرفيا أو مرتبطا بالمراحل النهائية فقط. هذا الزخم استمر حتى الأدوار المتقدمة، معززا فكرة أن النجاح لم يكن مصطنعًا، بل نابعًا من مشاركة جماهيرية حقيقية.
حتى الأرقام التي أُثير حولها الجدل، بما فيها تلك المرتبطة بالمباراة النهائية، تظل مؤشرا سياسيا وتنظيميا واضحا. المغرب لم يكتفِ بالتنظيم، بل نجح في التعبئة وجذب الجماهير داخل فضاءات حديثة، مؤمّنة وسهلة الولوج.
كأس إفريقيا لم تكن مجرد مسابقة رياضية، بل كشفت أبعادا سياسية وتنظيمية أعمق. فقد استخدمت الرياضة كأداة استراتيجية لإبراز استقرار المغرب، وقدرته على التخطيط المسبق، ونجاعة مؤسساته، ومصداقيته. وفي الوقت الذي اكتفت فيه دول أخرى بخطابات دعائية، قدم المغرب نموذجا عمليا عزز رصيده الدبلوماسي وجاذبيته الاقتصادية دون الحاجة إلى حملات تواصل مكلفة.
الهزيمة في المباراة النهائية جرى توظيفها بشكل متعمد لفرض سردية سلبية. غير أن الهزيمة الرياضية تبقى جزءا طبيعيا من المنافسة. تحويل خسارة عادية إلى فشل وطني شامل يفتقر إلى النزاهة الفكرية، ويحمل أبعادا سياسية مقلقة. فاستغلال نتيجة رياضية لتقزيم نجاح دولة كاملة يعكس إما ارتباكا متعمدا أو صعوبة في استيعاب مسار المغرب المتقدم.
الرسالة الملكية الموجهة إلى المنتخب الوطني أعادت النقاش إلى مستواه الطبيعي، بالتأكيد على قيم الالتزام والانضباط والروح الجماعية، ورفض منطق الشعبوية الرياضية التي تسعى إلى تضخيم الإخفاقات الظرفية وتحويلها إلى قضايا وطنية. وقد شكل ذلك موقفا واضحا ضد الانحدار في النقاش العام نحو الإثارة والعناوين السطحية.
الميدان الحقيقي لهذه البطولة لم يكن الملعب فقط، بل القارة الإفريقية ككل. إفريقيا تابعت وقارنت وحكمت. المغرب برز كشريك موثوق، منظم، وقادر على إنجاز مشاريع كبرى، ضمن رؤية قائمة على التعاون المتبادل. في المقابل، اختارت أطراف أخرى الانغلاق في خطابات شعاراتية ومقاربات انعزالية.
هذه البطولة لم تكشف هشاشة المغرب، بل أبرزت نضجه التنظيمي والسياسي. الفارق لم يكن رياضيا فحسب، بل كان فارق رؤية وزمن. فالنجاح التنظيمي خيار استراتيجي طويل الأمد. كما أن هذه الكأس تندرج ضمن مسار واضح لا يُغلق مرحلة بقدر ما يفتح أفقا جديدًا. بين 2027 و2030، يستعد المغرب لاحتضان تظاهرات رياضية كبرى تؤكد هذا التحول البنيوي.
ابتداءً من 2026–2027، سيحتضن المغرب كأس إفريقيا للأمم النسوية، في تأكيد لالتزامه بتطوير الرياضة النسوية الإفريقية وملاءمته للمعايير الدولية للفيفا والكاف. ثم يأتي التحدي الأكبر مع تنظيم كأس العالم 2030 بشراكة مع إسبانيا والبرتغال، وهو حدث عالمي يضع المغرب ضمن الدول القادرة على تنظيم أكبر المنافسات الدولية.
هذه المواعيد ليست وعودا نظرية، بل ثمرة مسار تراكمي. بنى تحتية جاهزة، خبرة تنظيمية مثبتة، مصداقية أمنية معترف بها، وقدرة مؤكدة على التعبئة الشعبية. المغرب لا ينظم لأنه قادر فقط، بل لأنه أصبح منصة تنظيمية موثوقة.
في هذا السياق، لا يكمن السؤال الحقيقي في خسارة نهائي، بل في تماسك الدولة وقدرتها على الفعالية عندما تعتمد رؤية استراتيجية واضحة. ولماذا لا يُعمم هذا النموذج على باقي السياسات العمومية؟ كأس إفريقيا تطرح هذا النقاش بوضوح.
خلاصة الدرس أن ما نجح في المجال الرياضي يمكن أن ينجح في قطاعات أخرى، شريطة توفر الاستمرارية، والثقة، والتخطيط بعيد المدى. المغرب ربح أكثر من بطولة؛ ربح موقعه ضمن نادي الدول الكبرى المنظمة للتظاهرات الدولية
