لم يكد العالم يلتقط أنفاسه بعد تجربة جائحة كورونا، حتى عاد اسم فيروس جديد قديم ليتردد في التقارير الصحية الدولية. فيروس «نيباه». عودة هذه المرة لم تأتِ من فراغ، بل عقب تأكيد السلطات الصحية في الهند تسجيل حالات إصابة جديدة بولاية كيرالا جنوب البلاد، وهي المنطقة نفسها التي شهدت تفشيات سابقة، ما أعاد القلق إلى الواجهة الإقليمية والدولية.
هذا التطور دفع عدا من الدول الآسيوية إلى تشديد إجراءات المراقبة الصحية، خصوصا في المطارات ونقاط العبور، تحسبا لأي انتقال محتمل، وأعاد إلى الأذهان سؤالاً بات مألوفاً لدى الرأي العام العالمي: هل نحن مقبلون على سيناريو صحي يعيد مشاهد الكمامات، الحجر الصحي، وإغلاق الأبواب؟
المقارنة مع فيروس كورونا تبدو حاضرة بقوة، وإن اختلفت السياقات. فخلال جائحة كورونا، واجه العالم فيروسا واسع الانتشار، لكنه استطاع، بفضل التطور العلمي، تطوير لقاحات فعالة في وقت قياسي. أما فيروس نيباه، فتكمن خطورته في كونه أقل انتشاراً، لكنه أكثر فتكاً، مع غياب أي لقاح أو علاج نوعي معتمد حتى اليوم.
وسبق لفيروس نيباه أن خلف آثارا ثقيلة في تفشياته السابقة. ففي ماليزيا أواخر التسعينيات، أدى إلى وفاة العشرات وتسبب في خسائر اقتصادية كبيرة بعد إعدام ملايين الخنازير لاحتواء الوباء. كما شهدت بنغلاديش والهند منذ عام 2001 تفشيات متكررة، اتسمت بارتفاع معدل الوفيات، وإصابة الجهاز العصبي، وانتقال العدوى داخل المستشفيات، ما جعل الفيروس محل مراقبة دائمة من منظمة الصحة العالمية.
وتكمن خطورة نيباه في طبيعته نفسها: فيروس حيواني المنشأ، مصدره خفافيش الفاكهة، قادر على الانتقال إلى البشر عبر الغذاء الملوث أو الاحتكاك المباشر بالحيوانات المصابة، إضافة إلى انتقاله بين البشر في ظروف معينة، خصوصاً في غياب إجراءات الوقاية داخل المؤسسات الصحية.
ورغم هذه المعطيات المقلقة، تؤكد الأوساط العلمية أن الوضع الحالي لا يرقى إلى مستوى جائحة عالمية. فانتشار الفيروس ما يزال محدودا جغرافيا، وتعوّل السلطات الصحية على العزل المبكر، وتتبع المخالطين، واليقظة داخل المنظومات الاستشفائية.
غير أن تجربة كورونا علمت العالم درسا قاسيا. الاستهانة بالبدايات قد تكون مكلفة. فالأوبئة لا تُقاس فقط بعدد الإصابات، بل بقدرتها على التحور، واستغلال هشاشة الأنظمة الصحية، وتأخر الاستجابة.
