تحت القائمة

في قلب تحقيق سري الجزء 5 .. من غرف التعبئة إلى طرق التمويه

في صمت تام وتحت غطاء السرية القضائية، تتواصل خيوط تحقيق أمني دقيق تقوده وحدة مكافحة المخدرات والجريمة المنظمة بسبتة (UDYCO)، كاشفا عن ملامح شبكة إجرامية لم تعد تكتفي بالتهريب التقليدي، بل انتقلت إلى مستوى أكثر تعقيدا في التنظيم والتخطيط.

 جريدة “تطواني” حصلت على معطيات حصرية تظهر كيف تحولت بعض الأحياء السكنية في مدينة سبتة إلى فضاءات لوجستية تدار منها عمليات التخزين والتحضير وإعادة التوزيع في اتجاه التراب الإسباني وباقي أوروبا.

توقيف عمار عبد القادر يسرع دائرة التحقيق

في قلب هذه المعطيات، يبرز توقيف عمار عبد القادر، على خلفية تورطه في قضية حجز كميات كبيرة من مخدر الحشيش داخل منزله، في واقعة شكلت مدخلا لتوسيع دائرة التحقيق، التي سرعان ما قادت إلى شبكة أكثر اتساعا وتعقيدا، تعتمد على تنسيق دقيق بين عدة أطراف تتوزع أدوارهم بين التحضير والتخزين والنقل.

المعطيات المستخلصة من التنصت الهاتفي تكشف جانبا خفيا من هذا النشاط، حيث يظهر كل من ياسين الصغير وشقيقه محمد الصغير إلى جانب خيسوس غونزاليس الملقب بـ“Bene”، في محادثات تحمل طابعا اعتياديا، غير أن تفاصيلها التقنية، خاصة أصوات آلات التعبئة بالفراغ واحتكاك الأكياس البلاستيكية، تشير بوضوح إلى عمليات تجهيز المخدرات داخل أكياس محكمة الإغلاق، تمهيدًا لنقلها وإخفائها ضمن مسارات أكثر تعقيدًا.

التحقيق يضع منزل العائلة بمنطقة “أركوس كيبرادوس” في صلب هذه العمليات، حيث تشير المعطيات إلى استخدامه كموقع لتخزين ومعالجة كميات كبيرة من المخدرات، في بيئة تبدو عادية ظاهريا لكنها تخفي نشاطا منظما، تدار داخله العمليات وفق توزيع دقيق للأدوار، يعكس وجود بنية هرمية تتحكم في توقيت التنفيذ وتفاصيله.

المراقبة الميدانية عززت هذه المؤشرات، إذ تم رصد تحركات متكررة ومشبوهة بمحيط المنزل، اتسمت بالحذر الشديد والمراقبة المستمرة لكل ما يجري في المكان، وهو ما يعكس اعتماد أفراد الشبكة على أساليب يقظة وتأمين محكمة لتفادي أي اختراق محتمل.

الشرطة توجه أبرز الضربات المرتبطة بهذا المسار من التحقيق

في هذا السياق، يظهر اسم جديد “سفيان عبد الله “، الذي تم رصده وهو يلتحق بالموقع قبل أن يغادر رفقة محمد الصغير  على متن دراجة نارية، في تحركات بدت جزءا من عملية تأمين ومراقبة للمحيط، تزامنا مع وصول رضوان عبد الله على متن مركبة مخصصة لنقل البضائع، والتي دخلت فارغة قبل أن تغادر محملة بشحنة جرى إخفاؤها بعناية تحت غطاء محكم.

هذا النمط يكشف عن اعتماد الشبكة على أسلوب النقل المرحلي، حيث لا يتم إخراج الشحنات بشكل مباشر، بل تمر عبر نقاط متعددة لتفادي الرصد، وهو ما تأكد لاحقا  للمحققين بعد تتبع مسار المركبة نحو موقع آخر بمنطقة “كابريراس ألتاس”، حيث جرى تفريغ عدد كبير من الأكياس ذات الحجم الكبير، في عملية تشير إلى إعادة توزيع أو تخزين مؤقت.

داخل هذا الموقع، عثرت المصالح الأمنية على تجهيزات متكاملة تؤكد الطابع المنظم للنشاط، من بينها آلات تعبئة بالفراغ، موازين دقيقة، ووسائل تخزين متطورة، إلى جانب تجهيزات يُشتبه في استخدامها لإخفاء المخدرات تحت الأرض، في محاولة لعرقلة عمليات الكشف.

الحصيلة أسفرت عن حجز 432 كيلوغراما من مخدر الحشيش داخل هذا الفضاء، في واحدة من أبرز الضربات المرتبطة بهذا المسار من التحقيق، والتي تؤكد أن العملية لا تقتصر على التخزين، بل تشمل مراحل متكاملة تبدأ من التحضير وتنتهي بإعادة التوزيع.

تسجيلات صوتية ورسائل مشفرة بين أعضاء الشبكة

بالتوازي مع ذلك، تكشف تسجيلات صوتية أخرى عن دور مصطفى الشعيري بروزي ، الذي يظهر في محادثات مع أطراف مختلفة، يناقش فيها معطيات حساسة مرتبطة بالشبكة، ويلمح إلى وجود تسريبات داخلية أثرت على توازن بعض المسارات، ما يعكس درجة التوتر داخل التنظيم.

التحقيقات نفسها تؤكد اعتماد أفراد الشبكة على وسائل تواصل مشفرة، من بينها تطبيق “Signal”، إلى جانب استخدام لغة مشفرة في الحديث، حيث تتحول مفردات عادية إلى إشارات تحمل دلالات مرتبطة بعمليات النقل والتحضير، في أسلوب يعكس خبرة متراكمة في تفادي المراقبة الأمنية.

تكشف هذه المعطيات أن الشبكة تعتمد على منظومة لوجستية متكاملة، ترتكز على تعدد نقاط التخزين، توزيع دقيق للأدوار، واعتماد أساليب تمويه متقدمة، ما يسمح لها بالتحرك داخل المجال الحضري دون إثارة الانتباه، مستفيدة من طبيعة الأحياء السكنية التي تتحول، في هذا السياق، إلى منصات عبور ضمن مسار تهريب يمتد من سبتة نحو العمق الأوروبي.

يتبع..