تحت القائمة

وجع الحقيقة / البُرْطَيْطْ : حين يفضح الوحل فشل التدبير

📝 بقلم : حمزة ابراهيمي

البُرْطَيْطْ اليوم ليس مجرد لفظ محلي في مدينة القصر الكبير أو بعض مناطق الشمال يعني الغيس او الوحل ، بل صار مرآة صادمة لحال مدن بأكملها، تعيش هذه الايام تحت وطأة الوحل والغيث غير المدبر. شوارع غارقة، بيوت محاصرة، وأحياء بأكملها تركت في مواجهة السيول، مشهد يعري هشاشة البنية التحتية ويكشف سوء التدبير المحلي بشكل صارخ داخل المجالس الجماعية.

ما نراه اليوم ليس مجرد قضاء و قدر، ولا نتيجة مطر استثنائي، بل حصيلة خمس سنوات من السياسات المحلية التي تعكس غياب رؤية استباقية، وتغول المحسوبية الحزبية، وضعف الحكامة على المستوى الجماعي. فأمطار الخير لم تجد أمامها قنوات تصريف كافية، ولا شبكات حديثة، ولا خطط حماية واضحة. فكيف يمكن الحديث عن التنمية المجالية، بينما المواطن يقاوم البرطيط/الوحل في أزقته!!

المفارقة الصارخة أن هذه الصور القاتمة تتزامن مع إنجازات وطنية مضيئة، شكلتها الملاعب و البنى التحتية التي احتضنت كأس إفريقيا ، التي حضيت باشادة القاصي و الداني و العدو و الصديق و عكست قدرة الدولة على الإنجاز حين تتوفر الرؤية والإرادة الصادقة. لكن ما قيمة الملاعب العالمية إذا كانت الأحياء المحلية تغرق؟ وما معنى الصورة اللامعة إذا ترك المواطن وحيدا من طرف منتخبيه مواجهة السيول؟

الغيس ليس مجرد وحل يغمر الشوارع، بل مؤشر على “برطيطة” سياسية وتدبيرية أعمق. إنه يفضح اختلال الأولويات، و عجز الأحزاب المشكلة للحكومة( الحمامة ، الجرار ، و الميزان ) التي اختارت في 2021 الاستفراد بالتدبير الحكومي و الجماعي بمنطق التغول السياسي، عن ترجمة وعود اللحم و البرقوق ايام الحملات الانتخابية إلى واقع يومي يلمسه المواطن. فالتنمية المجالية ليست هي المشاريع الكبرى وحدها، بل في البنيات الأساسية التي تحمي الناس من المخاطر، وتصون كرامتهم مع أول اختبار طبيعي، و هي جزء من مسؤولية المنتخبين في الاحياء و الجماعات و الدواوير، أولئك الذين اختاره المواطنون لتسيير و تدبير و تنمية حياتهم اليومية في المدن و القرى.

اننا نعيش اليوم في زمن التطرف المناخي حيث لم تعد سيول الشتاء مجرد ظاهرة طبيعية عابرة، بل مرآة فاضحة لكفاءة السياسات العمومية في المدن و القرى، واختبارا لقدرة الجماعات الترابية على حماية المواطن و ممتلكاته من الغرق. فمشاهد الأحياء الغارقة، الطرق المقطوعة و البهائم النافقة و العربات المغمورة ، والحفر التي تتحول إلى مصائد يومية… كلها نتائج بنية تحتية مهترئة، وتدبير مرتجل، وغياب تخطيط استباقي.

من هنا يبرز سؤال سياسي عميق، ماذا لو جرت الانتخابات الجماعية في قلب الشتاء، وسط المطر والطين، لا تحت خيام الصيف المكيفة؟ حينها فقط سيقارن المواطن بين الخطاب والواقع، وسينحصر هامش الوهم بين الوعود والتدبير الفعلي. إن ما وقع اليوم في مدن الشمال و مناطق الغرب يجب ان يؤسس لمرحلة الاختيار الانتخابي في المرحلة المقبلة، فالتصويت العقابي يجب ان يكون شعار الانتخابات التشريعية و الجماعية المقبلة على أحزاب و منتخبين ابانوا عن فشلهم التدبيري الخطير.. يجب ان تصبح للانتخابات و لصوت المواطن(ة) أثرا في السياسات اليومية، لا الشعارات ولا الصور الحملات الانتخابية.

ان ازمتنا نخبنا في التدبير المجالي عميقة و مركبة؛ إنها تتعلق بنموذج الحكامة المجالي نفسه. يتطلب مسيرين محليين مؤهلين، قادرين على التخطيط والتدبير المبني على العلم والمعطيات. لقد أصبح من غير المقبول أن تدار جماعات ترابية بأشخاص يفتقرون إلى الحد الأدنى من الكفاءة الإدارية والمعرفة التقنية، بينما المواطن يترك وحيدا أمام الطبيعة و القسوة اليومية.

رغم ما حققته الدولة من تقدم في المشاريع الكبرى، يبقى تسيير الجماعات الترابية الحلقة الأضعف، وخللا تتحمل مسؤوليته أحزاب الأغلبية والحكومة التي اختارت التغول و التسيير الانفرادي مرتكزا سياسيا لتحالفها الحكومي، كما ان المواطن شريك سلبي فيه، عندما برهن صوته ببعض الديرهمات او الخدمات الموقتة . إن الديمقراطية لا تبنى على الوعود أو الصور البراقة، بل على الشفافية، والاستباق، وربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل دائم. والحساب يجب أن يكون على التقصير، لا على الغيث، ولا على المواطن الذي يجد نفسه، مرة أخرى، وحيدا في مواجهة البرطيط والسيول