الأنهار الجوية .. ظاهرة تهدد المغرب وإسبانيا بفيضانات غير مسبوقة
يشهد غرب البحر المتوسط خلال الأيام الأخيرة اضطرابا جويا غير مسبوق، أبرز مظاهره تشكل «الأنهار الجوية» التي تضرب شمال المغرب وجنوب إسبانيا بكثافة رطوبية استثنائية. هذا النمط من التقلبات المناخية يعكس بوضوح دينامية جديدة للغلاف الجوي ترتبط بالاحترار العالمي وتزايد تواتر الظواهر الشديدة، ما يجعل المنطقة من أكثر نقاط أوروبا وإفريقيا هشاشة أمام مخاطر الفيضانات.
تعرف الأنهار الجوية بأنها ممرات ضيقة وعمودية من الهواء المشبع ببخار الماء، تمتد آلاف الكيلومترات فوق المحيطات وتنقل كميات تعادل تدفقات أكبر الأنهار العالمية. عند وصولها إلى اليابسة واصطدامها بالتضاريس أو الكتل الهوائية الباردة، تتحول إلى أمطار غزيرة جداً خلال فترة زمنية قصيرة. هذا ما يحدث حالياً مع الكتلة القادمة من شمال الأطلسي عبر مناطق قريبة من البحر الكاريبي، والتي وصلت إلى جنوب إسبانيا وشمال المغرب بكميات غير اعتيادية من الرطوبة.
في المغرب، رفعت مصالح الأرصاد الجوية مستوى اليقظة في عدد من الأقاليم الشمالية مثل تطوان وشفشاون والعرائش بسبب توقعات بهطول أمطار تتراوح بين 100 و150 ملم خلال أقل من 24 ساعة، إضافة إلى مخاطر ذوبان الثلوج في المرتفعات الريفية، ما يزيد من حجم الجريان السطحي واحتمال امتلاء الأودية بشكل مفاجئ.
السدود في هذه المناطق تعيش أصلاً وضعية ضغط مرتفع نتيجة الأمطار الأخيرة، ما يجعل قدرتها على استيعاب كميات إضافية محدودة ويعزز احتمال الفيضانات في المحيط الحضري والحقول الزراعية. مصادر محلية بيّنت أيضاً أن بعض الشبكات الحضرية لتصريف المياه تعاني من ضعف الهيكلة، ما قد يفاقم الأضرار. يمكن الاطلاع على بيانات التحذيرات الرسمية المغربية عبر موقع المديرية العامة للأرصاد الجوية
أما في إسبانيا، فقد أعلنت حكومة الأندلس حالة طوارئ جوية وأغلقت بعض المدارس بسبب ما وصفته هيئة الأرصاد بأنه «نهر جوي شديد الفعالية». مناطق مثل مالقة وغرناطة وقادس وضعت تحت إنذارات حمراء وبرتقالية، مع توقعات بأن تتجاوز التساقطات 200 ملم في أقل من يوم واحد.
السلطات الإسبانية حذرت من احتمال انهيارات أرضية في المناطق الجبلية وفيضانات واسعة في الأودية التي بلغت مستويات حرجة. تقارير علمية إسبانية، تعتبر أن جنوب البلاد أصبح أكثر عرضة لهذه الظواهر بسبب ارتفاع حرارة سطح المحيط الأطلسي وتغير نمط التيارات النفاثة.
هذا الوضع غير المعزول، بل هو جزء من سلسلة تغيرات مناخية باتت تضرب حوض المتوسط بوتيرة متزايدة. الدراسات المنشورة في المجلة العلمية www.nature.com تشير إلى أن منطقة المتوسط ترتفع حرارتها بنسبة تفوق المتوسط العالمي بنسبة 20%، ما يعزز تشكل نظم رطوبة كثيفة ويزيد احتمالات حدوث أمطار فائقة الغزارة. وسبق للبنك الدولي أن صنّف المغرب وإسبانيا ضمن المناطق الأكثر عرضة لمخاطر الفيضانات الساحلية والجبلية بحلول منتصف القرن، إذا لم يتم تحديث البنية التحتية وإعادة التفكير في تدبير المياه والتهيئة الحضرية.
ما يجري اليوم هوو تذكير صارخ بأن الفيضانات لم تعد مجرد أحداث موسمية، بل ظواهر مركبة تجمع بين تغير الغلاف الجوي، الضغط على السدود، وسوء التخطيط الحضري، وتدهور الأنظمة البيئية الطبيعية مثل الأودية والسهول الفيضية.