تحت القائمة

التدريس الصريح في مدارس الريادة : رهان الجودة والإنصاف نحو دمقرطة النجاح المدرسي

✍️ منعم أولاد عبد الكريم (طالب مفتش بمركز تكوين مفتشي التعليم بالرباط)

عرفت المقاربات البيداغوجية عبر التاريخ تطورات ومراجعات مستمرة، موازاة مع تطور البحث العلمي في مجال علوم التربية وملاحظة وتقييم التجارب الميدانية. وفي هذا السياق، شهد حقل التربية والتكوين بالمغرب تطبيق عدة مقاربات (الأهداف، المضامين، حل المشكلات، الكفايات…)، إلى أن شرعنا خلال السنوات الأخيرة في العمل بنموذج “التدريس الصريح” (Explicit Instruction).

جاء هذا التحول الجذري بناءً على “الرجة” التي أحدثتها نتائج التقارير الدولية لتقييم التعلمات (PISA, PIRLS, TIMSS) داخل منظومتنا التربوية، حيث كشفت عن تأخر كبير في التحكم في التعلمات الأساس لدى المتعلمين المغاربة في مراحل مفصلية (سن الخامسة عشرة). وهو ما ولد قناعة لدى المسؤولين بضرورة تدارك هذا الوضع الذي وضعنا في ذيل التصنيفات الدولية، فجاءت “خارطة الطريق 2022-2026” التي حملت حلولاً انطلقت تجربتها في “مدارس الريادة”، معتمدة في البداية مقاربة (TaRL) للدعم، ثم تبني “التدريس الصريح” كنموذج بيداغوجي مستدام.

الأسس العلمية : إدارة العبء المعرفي

ينبني هذا النموذج على تصور واقعي وعملي للعملية التعليمية-التعلمية؛ فهو “صريح” ومعلن في أهدافه ومدخلاته ومخرجاته. وتكمن قوته، كما تؤكد أبحاث بارك روزنشاين (Barak Rosenshine) ونظرية الحمل المعرفي، في تركيزه على التبسيط المحكم للمضامين بما يتناسب مع القدرات الذهنية للناشئة.

فالمتعلم يمتلك قدرة محدودة على معالجة المعلومات الجديدة، وحين يتم إغراقه بمعطيات تفوق سعة “ذاكرته العاملة”، يحدث ما يسمى بـ”الحمولة المعرفية الزائدة” ) Surcharge cognitive) وفشل التعلم. لذا، يتدخل التدريس الصريح بتوجيهات منهجية دقيقة تجعل “الأولوية المطلقة للتحكم في التعلمات الجديدة” بدلاً من “التركيز على إتمام المقرر الدراسي” كما كان معمولاً به سابقاً.

هيكلة الدرس ومعيار النجاح

لتحقيق هذا “التحكم”، يقترح التدريس الصريح نسقاً بنيوياً للحصة الدراسية، مستلهماً منهجية ستيف بيسونيت (Steve Bissonnette)، حيث يتم الانتقال بسلاسة عبر خطوات:
* الافتتاح: ربط التعلمات الجديدة بالمكتسبات السابقة لتسهيل “الاستيعاب” ودمج المعارف في البنية المعرفية للمتعلم.
* النمذجة (Je fais): تقديم المعرفة بوضوح في شكل أنشطة تعليمية مبسطة ينجزها الأستاذ.
* الممارسة الموجهة (Nous faisons): تمرن المتعلم على نشاط مماثل بمساعدة الأستاذ.
* الممارسة المستقلة (Tu fais seul): حيث يشترط هذا النموذج ألا يتم الانتقال إلى هذه المرحلة, أو من مرحلة لأخرى, إلا بعد التحقق من فهم ما يفوق نسبة 80% من المتعلمين. هذا المعيار الكمي يعد ركيزة أساسية لضمان الفعالية والجودة.

نحو دمقرطة النجاح المدرسي

من أهم إيجابيات هذا التوجه البيداغوجي، كما ورد في تحليلنا، كونه يساعد على تدليل الفوارق التعليمية بين المتعلمين. فبينما كانت البرامج الدراسية السابقة، بهاجسها الكمي، لا يستطيع مسايرتها سوى “النخبة” أو المتفوقين وأصحاب القدرات الذهنية العالية، جاء التدريس الصريح ليساهم في “دمقرطة العملية التعليمية”.

إن ضمان انخراط الجميع واستفادة الكل سينعكس إيجاباً على تقليص نسب الفشل الدراسي والهدر المدرسي. وبهذا، لن تبقى المدرسة المغربية مجالاً للنخب (التعليم الخصوصي) أو المتعثرين غير القادرين على مسايرة إيقاعات البرامج التعليمية (المدرسة العمومية)، بل ستتحول إلى فضاء للإدماج ونجاح الجميع وتكافؤ الفرص.

إن هذا التصور، الذي تحمله مقاربة التدريس الصريح باحتضان المتعثرين وإعادة إدماجهم ضمن السيرورة التعليمية بدل تركهم يواجهون مصيرهم لوحدهم، قد يمنحنا مستقبلا صورة أكثر إشراقاً عن المدرسة العمومية المغربية تعزز جاذبيتها، وتعيد بناء ثقة المجتمع فيها، شريطة أن تتم “إعادة صياغة المنهاج الدراسي المغربي” ليتلاءم مع هذا التغيير البيداغوجي المهم؛ مع ضرورة توفير باقي الشروط وظروف تحقق الجودة (وسائل ديداكتيكية، بنى تحتية…)، وانخراط الأسر والمجتمع وكل الفاعلين التربويين في إنجاح هذه التجربة الواعدة.

تحت المقال