التحقيق السري الحلقة 3 .. “طريق الأكياس الثقيلة” داخل سبتة
جريدة “تطواني” تواصل نشر معطيات حصرية من قلب تحقيق أمني سري
يكشف آليات النقل والتخزين لشبكة تهريب المخدرات
في مدينة سبتة، حيث تختلط الحدود بالجغرافيا الحساسة وتتعقد مسارات المراقبة. تكشف معطيات جديدة حصلت عليها جريدة “تطواني” ضمن هذا التحقيق الاستقصائي المتواصل عن مرحلة دقيقة من نشاط شبكة يشتبه تورطها في تهريب المخدرات. مرحلة لا تقل خطورة عن العبور عبر المضيق، بل ربما أكثر تعقيدا، لأنها تتم داخل المجال نفسه، تحت غطاء من التنسيق المحكم والمراقبة المضادة.
ما تكشفه هذه الحلقة لا يتعلق فقط بتفاصيل عملية ميدانية، بل ببنية أشتغال متكاملة، حيث تتداخل الأدوار بين القيادة، والتنفيذ، والمراقبة، داخل مدينة تعد نقطة حساسة في خريطة التهريب
بداية العملية: تحميل “الأكياس الثقيلة” تحت الحراسة
في ظهيرة عادية من شتاء مدينة سبتة، كانت الأشياء تبدو هادئة أكثر مما ينبغي. ولا شيء يوحي بأن تحت هذا الغطاء اليومي، كانت عملية دقيقة تدار بخيوط غير مرئية.
تكشف التحقيقات الأمنية عن أحد المنازل في منطقة أركوس كبرادوس، حيث وقف Mustapha Chairi Brouzi يراقب المكان ومحيطه. حضوره لم يكن عاديا، فدوره لم يكن مراقبة الأشخاص بقدر ما كان يهتم بالطريق مخافة كل احتمال قد يفسد العملية. في هذه الأثناء كان الأخوان Yassin Essghiyar وMohamed Essghiyar جزءا من المشهد، لكن الأدوار بينهما لم تكن متساوية. في تلك اللحظة ظهر تفصيل صغير سيكشف كل شيء. أكياس كبيرة تنقل من داخل المنزل إلى سيارة من نوع Volkswagen Polo. حيث رجل غير محدد الهوية كان يحملها بصعوبة واضحة.
أعين الأجهزة الأمنية كانت تراقب السيارة التي صعد فيها Yassin Essghiyar لقيادتها، وفي الخلف كان هناك تحول آخر يجري. سيارة أخرى من نوع Audi A3 يقودها الشقيق الثاني Mohamed Essghiyar دخلت إلى نفس الفضاء، وكأنها قطعة ثانية في لعبة أكبر. لم يكن الأمر مجرد نقل، بل إعادة توزيع، أو ربما تمويه لمسار لا يجب أن يقرأ بسهولة.
وسط هذه الحركة، ظهر اسم آخر حسب التحقيقات الأمنية يدعى Amar Abdeselam، المعروف بـ“Friskas”. لم يكن حضوره عرضيا، بل جزءا من عملية التحميل، حيث شارك في نقل الأكياس بسرعة لجعل العملية تمضي كما خطط لها. في تلك اللحظة، لم يعد المشهد مكونا من مجموعة أشخاص، بل شبكة رباعية تتحرك بدقة.
منازل تتحول إلى “مخازن”
العنصر الأكثر دلالة في التحقيق الأمني، لم يكن في السيارات في حد ذاتها، بل في ما سبقها. فجأة، غادر الشعيري البروزي المكان على متن دراجة نارية من نوع Honda SH. في لغة هذه الشبكات، هذه ليست مجرد حركة عادية بل تسمى “لّانزادرة”، عين متقدمة ترى ما لا يراه الآخرون، وتمنحهم الوقت لتفادي ما قد يأتي.
السيارتان المعنيتان بتحميل المخدران تحركتا بعده، لكن ليس بشكل مباشر. فقد سلكتا طرقا مختلفة وملتوية داخل سبتة، لكن في الواقع كانت هذه الطرق والشواىع جزءا من مسار محسوب ومخطط له. كل شيء كان يتم وكأن هناك من يكتب السيناريو لحظة بلحظة.
عندما وصلت السيارتان إلى منزل آخر في نفس المنطقة، لم ينته المشهد، بل بدأ فصل جديد آخر من تفريغ البضاعة. في مرآب كان هناك Mohamed Essghiyar يشرف من جديد على العملية، بينما عاد Yassin ليلعب دوره في التفريغ. لم يكن المكان مجرد منزل عادي، بل نقطة تفريغ ضمن خريطة أكبر.
في الخارج، كان أربعة على الأقل موزعين في محيط المكان، يراقبون أي حركة غير عادية. لم يكونوا جزءا من الصورة الظاهرة، لكنهم بالتأكيد شرط استمرارها وضمان سلامتها. بعضهم كان يتصرف بطريقة جعلت المحققين يشتبهون في أنهم قد يكونون مسلحين، وهو ما جعل أي تدخل مخاطرة مفتوحة.
في وقت لاحق، سيظهر اسم آخر في هذه الخيوط. Amar Abdelkadder Ahmed. تحركاته بدت مختلفة في الشكل، لكنها متشابهة في الجوهر. أكياس من نفس النوع، نفس الثقل، نفس الطريقة في الإدخال إلى المنزل. كأن الشبكة لا تتحرك في نقطة واحدة، بل تتنفس عبر عدة نقاط، كل واحدة تكمل الأخرى دون أن تكشفها.
ما يبدو في الظاهر سلسلة تحركات منفصلة، يتضح في العمق كمنظومة واحدة Mustapha Chairi Brouzi Chairi يراقب ويوجه، Yassin Essghiyar يقود وينقل، Mohamed Essghiyar يدخل ويخرج، Amar Abdeselam يشارك في اللوجستيك، وamar Abdelkadder Ahmed يظهر كامتداد لنفس النمط في موقع آخر.
ومع ذلك، تبقى كل هذه الأسماء داخل دائرة الاشتباه، في إطار تحقيق قضائي مستمر لم يُحسم بعد. لكن ما تكشفه هذه الوقائع، كما توصلت إليها جريدة “تطواني”، هو شيء آخر.
ما جرى خلال هذا الجزء من العملية ليس مجرد نقل مخدرات، بل إدارة دقيقة لمسار كامل، من التخزين إلى الحركة إلى إعادة التوزيع، في مدينة تتحول—دون أن يشعر معظم من يعيش فيها—إلى مسرح صامت لعمليات لا ترى.
وبينما تستمر التحقيقات تحت إشراف القضاء في إسبانيا، تواصل جريدة “تطواني” تتبع خيوط هذا الملف، الذي يبدو أنه يتجاوز حدود مدينة سبتة، ليطرح تساؤلات أوسع حول امتداداته المحتملة، وهو ما سنكشفه في الحلقات القادمة.
