تحت القائمة

بين غلاء الأضاحي وتواطؤ أحزاب من المعارضة.. من يحمي الحكومة من المحاسبة

زاوية حرة -✍️ عماد بنهميج

في السياسة، لا شيء يكشف هشاشة الخطاب الرسمي أكثر من لحظة يفقد فيها المسؤول القدرة على تبرير الواقع، فيلجأ إلى الاستفزاز أو التبسيط المخلّ. وهذا بالضبط ما حدث عندما خرج الوزير بتصريحه المثير للجدل: “الحولي كيبدا من 1000 درهم”. تصريح بدا منفصلا عن الواقع الاجتماعي لشرائح واسعة من المغاربة الذين لم يعودوا يناقشون “ثمن الأضحية”، بل يناقشون أصلا قدرتهم على مجاراة موجة الغلاء التي طالت كل شيء.

التصريح لم يمر مرور الكرام داخل المؤسسة التشريعية، حيث فجر نقاشا حادا، خاصة من طرف المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية التي اعتبرت كلام الوزير استخفافا بمعاناة المواطنين ومحاولة لتسويق صورة وردية لا وجود لها إلا في تقارير الحكومة وخطاباتها الدعائية.

لكن المثير في المشهد لم يكن فقط عجز الوزير عن الدفاع عن تصريحه، بل الطريقة التي تدخل بها رئيس الجلسة، إدريس شطيبي، المحسوب على المعارضة الاتحادية، لتحويل النقاش من مساءلة الحكومة حول أسعار الأضاحي والقدرة الشرائية، إلى مهاجمة حزب العدالة والتنمية وتوجيه اتهامات سياسية له وسط صخب القاعة. وهنا يبرز السؤال حول تحول بعض مكونات المعارضة إلى القيام بأدوار دفاعية بالنيابة عن الحكومة.

في لحظة كان الوزير فيها تحت ضغط الانتقاد، وجد من يفتح له مخرجا سياسيا ويخفف عنه عبء المواجهة. فبدل أن يستمر النقاش في جوهر الأزمة، أي الغلاء وتراجع القدرة الشرائية وفشل السياسات الحكومية في ضبط الأسواق، جرى جرّ الجلسة نحو تصفية حسابات سياسية جانبية. وهكذا ضاع السؤال الحقيقي وسط الضجيج المعتاد تحت قبة البرلمان.

المفارقة المؤلمة أن المواطن لم يعد يميز أحيانا بين الأغلبية والمعارضة، لأن جزءا من المعارضة اختار الاصطفاف داخل منطقة رمادية، لا هي تمارس رقابة حقيقية على الحكومة، ولا هي تقدم بديلا سياسيا واضحا. معارضة تُستدعى عند الحاجة لإرباك النقاش وتغيير اتجاهه، لا لمحاسبة السلطة التنفيذية أو الدفاع عن هموم الناس.

ورغم كل حملات التشويش ومحاولات شيطنة الأصوات المنتقدة، فإن الرأي العام بات أكثر وعيا بعمق الأزمة. فالمغاربة لا يحتاجون إلى تقارير أو خطابات لتقييم الوضع، لأن السوق وحده كفيل بإعطاء الجواب الحقيقي. المواطن الذي يطوف بين الأسواق ويصطدم بالأسعار الملتهبة يدرك جيدا أن الأرقام الرسمية شيء، والواقع المعيشي شيء آخر تمامًا.

لهذا، فإن مثل هذه التصريحات والحملات المضادة قد تحقق ضجيجا إعلاميا مؤقتا، لكنها في النهاية تنتج أثرا عكسيا. لأن محاولة إقناع الناس بأن الأمور بخير بينما جيوبهم تقول العكس، لم تعد تنطلي على أحد.