في المغرب، هناك قانون غير مكتوب يفرض نفسه على الجميع، يتجاوز وثيقة الدستور وقوانين المالية والمخططات القطاعية؛ إنه قانون “التقليد والظهور بمظهر القدرة”. ومع اقتراب كل عيد أضحى، تصاب الدولة والمجتمع بحالة من “الذهان الجماعي”، حيث يرتفع منسوب التوتر في البيوت، وتتحول الأسواق إلى ساحات حرب حقيقية، الخاسر الأكبر فيها هو المواطن البسيط الذي يصر، بغرابة شديدة، على أن يشتري حبل المشنقة لشنق قدرته الشرائية بيده!
القصة ليست قصة غلاء أسعار فقط، ولا يمكن تفسيرها بـ “الجفاف” أو “ارتفاع أسعار الأعلاف” وحدهما، فهذه مبررات تختبئ وراءها الحكومة لتبرير عجزها عن ضبط الأسواق. المشكلة الحقيقية تكمن في مكان آخر، في “الطلب الأعمى” الذي لا يتأثر بقوانين الجاذبية الاقتصادية. لاحظوا كيف تذوب كرامة ونخوة المواطن المغربي البسيط على عتبات هذا الموسم؛ كيف يتحول رجل عزيز النفس، يصارع الحياة بشرف، إلى “طَلاب” يستجدي السلف، ويتسول أصحاب الأموال، ويطرق أبواب مؤسسات القروض لتدبير ثمن كبش، فقط ليفوز برضا “المجتمع” ويخسر رضا نفسه.
والمفارقة الصادمة أن كل هذا الهوان وسحق الكبرياء يحدث من أجل شعيرة شرطها الأساسي والوحيد هو “المقدرة”، ولا شيء غير المقدرة. فالدين واضح: الأضحية عند المقدرة، ومن غابت عنه الاستطاعة غاب عنه التكليف الشرعي. لكننا، في الواقع، استبدلنا فقه الدين بفقه المظاهر.
هذا السلوك السيكولوجي العجيب هو “الدجاجة التي تبيض ذهباً” لجيوش من الوسطاء والمضاربين (“الشناقة”) الذين يظهرون في هذا الموسم مثل الفطريات. هؤلاء لا علاقة لهم بتربية الماشية، ولا يتحملون عناء العلف ولا قسوة المناخ، لكنهم يملكون “الذكاء الخبيث” لقراءة نفسية المستهلك المغربي.
يعلمون جيدا أن الزبون سيتحول إلى متسول ليلة العيد لكي لا يدخل بيته فارغ اليدين أمام جيرانه وأبنائه. وحين يضمن المضارب أن “الزبون ساقط في الفخ لا محالة” بفعل الضغط الاجتماعي، فلماذا يخفض الثمن؟ إننا بهذا الانصياع الأعمى للعادات، نحن من نرفع الأسعار ونحارب أنفسنا بامتياز.
الفقهاء والعلماء بح صوتهم وهم يذكرون بأن الأضحية “سنة مؤكدة” وليست فرضا عينا، والتاريخ يذكرنا بأن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، وهما من هما، تركا الأضحية في بعض السنوات عمدا، فقط لكي لا يعتقد العوام أنها واجب. فهل نحن “إسلاميون” أكثر من الخلفاء الراشدين، أم أننا عبيد لعادات واجتماعيات مشوهة.
المعادلة بسيطة ولا تحتاج لخبراء من البنك الدولي “لي غلات عليا ماناخدهاش”. هذه العبارة الشعبية هي السلاح الوحيد الفعال لمواجهة الجشع والوسطاء والتجار الذين يخضعون للسوق وفق منطق العرض والطلب كما في جميع أنواع التجارة عبر العالم. لو قررت نسبة معقولة من الأسر المغربية، وبوعي وطني واقتصادي، إغلاق بيوتها يوم العيد والامتناع عن الشراء ردا على المضاربة، لانهار سوق “الشناقة” في غضون 24 ساعة، ولعادت الأسعار إلى طبيعتها.
الاستسلام لـ “التكليف”، والتنازل عن النخوة والكرامة، ثم الشكوى الأبدية من الغلاء هو تباكٍ في غير محله. لقد حان الوقت لينتقل المستهلك المغربي من مربع “الضحية المستسلمة” إلى مربع “الفاعل الاقتصادي الواعي”. كفانا جلداً لأنفسنا، ولنملك شجاعة “الترك”، فالدين يسر، والاقتصاد منطق، والسوق لا يرحم المغفلين
