تحت القائمة

المغرب يعيد بناء منظومة العدالة..إصلاح يتجاوز قانون المحاماة

✍️ يسرى والشيخ

اختزال ما يجري اليوم في المغرب في قانون المحاماة أو في المواجهة بين وزارة العدل والمحامين يفوّت الجزء الأكبر من الصورة، لأن قانون 66.23، رغم أهميته والجدل الذي رافقه، ليس سوى جزء من ورش أوسع يشمل قانون المسطرة المدنية الجديد، وتحديث المسطرة الجنائية، وتنظيم الآجال والتبليغات والإحالات، ورقمنة الملفات والأحكام والتنفيذ، وإعادة تنظيم عدد من المهن القانونية والقضائية. وعند جمع هذه التحولات يظهر أن المغرب لا يعدل قوانين متفرقة فقط، بل يعيد تدريجيا بناء الطريقة التي تشتغل بها منظومة العدالة.

قانون المسطرة المدنية الجديد يقدم أحد أوضح الأمثلة على هذا التحول، لأنه لا يكتفي بتغيير بعض القواعد التقليدية للتقاضي، بل يدخل النظام المعلوماتي إلى صلب المسطرة القضائية، وأصبح من الممكن إنجاز عدد من الإجراءات إلكترونيا، بما فيها إيداع الطلبات والطعون والمذكرات والوثائق وأداء الرسوم، إضافة إلى التبليغ والتنفيذ؛ وهو ما يعني أن الرقمنة لم تعد مجرد خدمة جانبية تسهل على المواطن معرفة تاريخ جلسة أو وضعية ملف، بل أصبحت جزءا من القانون الإجرائي الذي تنتج عنه آثار قانونية مباشرة.

هذا التحول يمكن أن يغير واحدة من أكثر النقاط حساسية داخل العدالة المغربية، وهي صعوبة تتبع مسار الملف وتحديد مصدر التأخير. في النظام التقليدي كان يتحرك الملف بين أوراق ومكاتب ومتدخلين متعددين، وقد يقع التعطيل في الإحالة أو التبليغ أو الخبرة أو التنفيذ دون أن يستطيع المواطن دائما معرفة أين توقف ملفه ولماذا. أما عندما تصبح العمليات مسجلة داخل نظام معلوماتي، فإن الإيداع والإحالة والتبليغ والجلسات والأحكام والتنفيذ تترك أثرا إلكترونيا يسمح، إذا استعملت البيانات بطريقة صحيحة، بمعرفة المرحلة التي يوجد فيها الملف والمدة التي استغرقتها كل خطوة.

وهنا تكمن في رأيي القيمة الحقيقية للإصلاح، لأن أهم ما يمكن أن تقدمه الرقمنة للعدالة ليس التخلص من الورق، بل تقليص المساحات التي تضيع فيها المسؤولية. عندما تصبح المعلومة مؤرخة وقابلة للتتبع، يمكن الانتقال من السؤال العام عن سبب تأخر الملف إلى تحديد المرحلة التي وقع فيها التأخير ومدته والإجراء الذي لم ينجز، وهذا يفتح نظريا الباب أمام رقابة أكثر دقة على أداء المنظومة نفسها.

داخل هذه الصورة يصبح قانون المحاماة أكثر قابلية للفهم، فالتكليف المكتوب وتنظيم العلاقة المهنية والأتعاب والتأديب والحكامة لا تجري بمعزل عن التحول الذي تعرفه بقية المنظومة. كما أن المحامي ليس الطرف الوحيد الذي سيتأثر، لأن القاضي والنيابة العامة وكتابة الضبط والمفوض القضائي والخبير والعدل والإدارة والمؤسسات المتعاملة مع القضاء تتحرك بدورها نحو بيئة تصبح فيها المعلومة الإلكترونية والتوثيق والتتبع جزءا من العمل اليومي.

لهذا لا يبدو دقيقا اختزال الجدل الحالي في مواجهة بين وزير العدل والمحامين، كما لا يبدو منصفا اعتبار كل اعتراض مهني مقاومة للإصلاح. استقلالية المحامي وحصانة الدفاع مسألتان أساسيتان في أي دولة قانون، لأن المواطن قد يحتاج إلى محام مستقل في مواجهة الدولة نفسها، لكن الاستقلالية لا ينبغي في المقابل أن تعني غياب الشفافية أو المحاسبة، كما أن رغبة الدولة في التنظيم والرقابة لا ينبغي أن تتحول إلى سلطة تسمح بالتأثير على استقلال الدفاع.

و مع ذلك، لا ينبغي الوقوع في خطاب متفائل يعتبر الرقمنة حلا تلقائيا لمشاكل العدالة، فالمنصة الإلكترونية لا تجعل القضاء سريعا بمجرد وجودها، ويمكن رقمنة إجراء بطيء ليظل بطيئا، كما يمكن جمع كميات هائلة من البيانات دون استخدامها في كشف الاختلالات. وتظهر تحديات أخرى مرتبطة بحماية المعطيات القضائية الحساسة والأمن السيبراني والأعطاب التقنية وتحديد صلاحيات الوصول إلى المعلومات، إضافة إلى حماية المواطن الذي لا يملك المعرفة أو الوسائل الرقمية الكافية.

المواطن هو في النهاية المعيار الحقيقي لنجاح هذا الورش، لأنه لا يعنيه عدد القوانين والمنصات بقدر ما يعنيه أن يعرف أين وصل ملفه، وأن يتم تبليغه في الوقت المناسب، وأن يفهم آجاله، وأن يحصل على حكمه ويتمكن من تنفيذه، وأن يعرف ما يؤديه ولماذا، وألا يحتاج إلى وسيط للحصول على معلومة يفترض أنها من حقه. وإذا انتقلت البيروقراطية نفسها من الشباك إلى الشاشة فلن يكون الإصلاح سوى تغيير في الوسيلة.

ومن خلال هذه التحولات، يبدو أن المغرب أمام واحد من أهم أوراش إصلاح العدالة منذ عقود، و أن الاتجاه العام للإصلاح ضروري وإيجابي، خصوصا حين يجعل المعلومة قابلة للتتبع ويضع الآجال والمسؤولية والشفافية في قلب المنظومة، غير أن نجاحه لن يثبت بالقوانين ولا بالمنصات ولا بخطاب الوزارة، بل بالنتائج، و بما سيغيره فعليا في حياة المتقاضي.

إذا أصبحت العدالة أسرع والمعلومة أوضح والتنفيذ أكثر فعالية والمسؤولية قابلة للتحديد والمحامي مستقلا وشفافا والمواطن أقل حاجة إلى الوساطة، فسنكون أمام إصلاح حقيقي. أما إذا تغيرت القوانين ورقمنت الإجراءات وبقي المواطن ينتظر سنوات ويسأل السؤال القديم نفسه عن مصير ملفه، فسيكون المغرب قد رقمن شكل العدالة دون أن يصلح جوهرها.