تحت القائمة

فصل الصيف يكشف اختلالات تدبير المجال الترابي بالسواحل

✍️ محمد ربيعة

مع دخول شهر غشت، وبلوغ الموسم الصيفي ذروته، ما تزال عدد من شواطئ الجهة تكشف عن اختلالات واضحة في تدبير المجال الساحلي، سواء على مستوى النظافة أو تنظيم استغلال الملك العمومي أو مراقبة الأنشطة المرتبطة بالشواطئ.

ففي الوقت الذي يفترض أن تكون فيه الجماعات الساحلية في أعلى درجات الاستعداد لاستقبال أعداد كبيرة من المصطافين، يبدو أن ملف نظافة الشواطئ لا يحظى بما يكفي من الاهتمام ضمن أجندة العمل الجماعي، رغم أن الجماعات تستخلص رسوماً وموارد مرتبطة بخدمات تدخل ضمن اختصاصاتها.

وتزداد المفارقة وضوحاً عندما يتعلق الأمر بجماعات تتباهى بحصول شواطئها على “اللواء الأزرق”، في حين يجد المصطاف نفسه أمام مظاهر لا تنسجم دائماً مع الصورة التي يفترض أن تعكسها هذه الشهادة، خصوصاً على مستوى النظافة وجودة الخدمات وتنظيم الفضاء الشاطئي.

كما أن توقف الأوراش الجمعوية التابعة للمجالس الإقليمية، والتي كانت تساهم في عدد من المناسبات في تدبير بعض جوانب نظافة الشواطئ، ترك فراغاً ملحوظاً في بعض المناطق، دون أن يبدو أن الجماعات الساحلية قد أعدت بديلاً فعالاً ومستداماً لضمان استمرار هذه الخدمات خلال فترة الذروة الصيفية.

لكن الإشكال لا يتوقف عند النظافة. فبعد مرور أسابيع قليلة على الحملات التي استهدفت الحد من مظاهر الاحتلال العشوائي للشواطئ بالمظلات والكراسي، بدأت بعض الممارسات السابقة في العودة تدريجياً، لتطرح من جديد سؤال مدى فعالية المراقبة واستمراريتها، خصوصاً مع ظهور أنشطة أخرى مرتبطة بالتنزه البحري واستغلال المجال الساحلي.

وتزداد الحاجة إلى المراقبة عندما يتعلق الأمر بمراكب التنزه البحري، إذ إن ممارسة مثل هذه الأنشطة يفترض أن تتم في إطار قانوني يحترم شروط السلامة والتراخيص والتأمين، حمايةً للمصطافين ولمستغلي هذه الأنشطة على حد سواء.

وفي المقابل، يبرز ملف آخر لا يقل أهمية، ويتعلق باستغلال الملك العمومي الجماعي. فبدل أن تشكل الواجهات البحرية والكورنيشات مورداً مهماً للجماعات الساحلية من خلال تنظيم استغلال الملك العمومي واستخلاص الرسوم والواجبات المستحقة، تبدو بعض المساحات وكأنها تستغل بشكل لا ينسجم دائماً مع ما يفترض أن يكون عليه التدبير العمومي لهذا المجال.

وتطرح الطاولات والكراسي التابعة لبعض المطاعم والمقاهي الممتدة على الواجهات البحرية سؤالاً واضحاً حول مدى احترام واجبات استغلال الملك العمومي، وحول ما إذا كانت الجماعات تقوم فعلاً بجرد المساحات المستغلة واستخلاص المستحقات المترتبة عنها.

وهنا تبرز مسؤولية رؤساء الجماعات والمصالح المختصة في حماية موارد الجماعات وعدم السماح بتحويل الملك العمومي إلى مجال مفتوح للاستغلال دون مقابل أو خارج الضوابط القانونية.

الأكثر إثارة للقلق هو أن يتحول التساهل في تدبير هذا المجال إلى ممارسة موسمية مرتبطة بحسابات انتخابية أو باعتبارات غير مرتبطة بالمصلحة العامة. فهل يمكن أن يكون التغاضي عن بعض مظاهر الاستغلال غير المنظم للشواطئ جزءاً من منطق يقوم على كسب ولاءات انتخابية أو استمالة فئات معينة من المستفيدين؟

وإذا كان الأمر كذلك، فإن الخاسر الأول لن يكون سوى الجماعة نفسها، التي تفقد جزءاً من مواردها، ويضعف معها هامش قدرتها على الاستثمار في التنمية المحلية وتحسين الخدمات العمومية.

إن حماية الشواطئ لا ينبغي أن تختزل في حملات موسمية تنتهي بانتهاء الحملة أو في تعليق لافتات تطالب المصطافين بالحفاظ على النظافة. المطلوب هو تدبير متكامل يقوم على التنظيم والمراقبة والاستخلاص والاستثمار، ويحدد بوضوح مسؤوليات كل طرف، من الجماعات إلى السلطات المختصة والمتدخلين في تدبير الشواطئ.

كما أن الحصول على “اللواء الأزرق” لا ينبغي أن يكون غاية في حد ذاته، بل يجب أن يكون مدخلاً إلى تحسين مستمر لجودة الشاطئ والخدمات المرتبطة به، بما يجعل هذا التصنيف انعكاساً فعلياً لجودة التدبير، وليس مجرد واجهة موسمية.

ومن هنا، يصبح من المشروع التساؤل عن مدى قيام الجهات المكلفة بالمراقبة الإدارية بدورها في تتبع طريقة تدبير الملك العمومي الجماعي، وحماية موارد الجماعات، ومساءلة المسؤولين عن أي تقصير ثابت في القيام بالمهام المنوطة بهم.

فالمجال الساحلي ليس ملكاً لفئة معينة، ولا يجوز أن يتحول إلى فضاء للاستغلال الخاص على حساب الحق العام. والشاطئ، بما يمثله من ثروة طبيعية واقتصادية وسياحية، يحتاج إلى حكامة حقيقية تتجاوز التدبير الموسمي والقرارات الظرفية.

وفي النهاية، فإن المطلوب ليس فقط محاربة مظاهر الاحتلال العشوائي للشواطئ، وإنما وضع حد لكل أشكال التدبير الذي يحول الملك العمومي إلى مورد خاص، واستعادة الجماعات لدورها في حماية مواردها وتنظيم مجالها الترابي، حتى يصبح الموسم الصيفي فرصة للتنمية وتحسين الخدمات، لا مناسبة جديدة لكشف اختلالات التدبير.