تحت القائمة

المغرب تحت المجهر… حرب باردة على الصورة أكثر منها أزمة هجرة

يسرى والشيخ / إسبانيا

ما وقع في سبتة لم يكن سوى الشرارة، أما القصة الأكبر فتتعلق بموقع المغرب المتزايد في الحسابات الأوروبية والإفريقية والدولية. فكلما ازداد حضور المغرب، ارتفعت أيضاً كلفة صورته في الخارج، ولم تعد أي أزمة مرتبطة به تبقى في حدودها الطبيعية؛ تبدأ بالهجرة، ثم تمتد إلى الدولة والصحراء والعلاقات الدولية، وصولا إلى أمن المتوسط ومونديال 2030.

الهجرة ظاهرة دولية، ووجود شباب يبحثون عن فرص أفضل خارج بلدهم لا يختصر المغرب في مشاهد الحدود، كما أن أزمة سبتة لم تكن كافية وحدها لتفسير حجم الخطاب الذي رافقها. آلاف الأشخاص أمام الحدود، خوف إسباني، ذاكرة أزمات سابقة، ثم روايات متسارعة حول فتح الحدود وشبكات التعبئة الرقمية، قبل أن تتضح جميع تفاصيل ما جرى.

لكن اللافت أن الأزمة لم تنته بانحسار تدفق المهاجرين. فقد استمر خطاب يربط الهجرة بالمغرب باعتبارها جزءا من «أجندة» سياسية، وظهرت في بعض المنابر الإسبانية أصوات مرتبطة بالبوليساريو لتفسير الحدث من زاوية الصراع مع الرباط، بل وصل الأمر أحياناً إلى ربط الهجرة بالتهديد الأمني والإرهاب.

المشكلة هنا ليست في انتقاد المغرب، فهذا حق مشروع، وإنما في أن يتحول طرف في نزاع مباشر معه إلى مرجع دائم لتفسير كل أزمة مرتبطة به. ومع تكرار الرواية نفسها، ينتقل المغرب تدريجياً من صورة الشريك إلى صورة التهديد في ذهن المشاهد.

ثم تأتي المنصات الرقمية لتضاعف التأثير. تصريح تلفزيوني يتحول إلى مقطع، والمقطع إلى عنوان، والعنوان إلى منشور، ثم تعيده عشرات الصفحات والحسابات، فينشأ وهم الإجماع حول رواية قد تكون في الأصل مجرد وجهة نظر واحدة. وهكذا لا تحتاج صناعة صورة العدو إلى قرار رسمي؛ يكفي أن يقترن اسم المغرب باستمرار بالهجرة والابتزاز والتهديد والصحراء وإسرائيل حتى يصبح الربط مألوفاً في الوعي العام.

وهنا يصبح التوقيت مهما. المغرب اليوم ليس المغرب الذي كان قبل ثلاثة عقود. نفوذه الإفريقي توسع، وعلاقاته الدولية تطورت، وحضوره الاقتصادي والدبلوماسي أصبح أكبر، كما تحول إلى شريك أساسي لإسبانيا والبرتغال في تنظيم كأس العالم 2030، فضلا عن دوره في أمن المتوسط والهجرة والتجارة والطاقة.

كلما ازدادت أهمية دولة، ازدادت أهمية الرواية التي تُبنى عنها. والخصومة المغربية الجزائرية، ودعم الجزائر للبوليساريو، ورغبة الأخيرة في إبقاء قضية الصحراء حاضرة أوروبيا، إلى جانب وجود تيارات إسبانية تعارض التقارب مع الرباط، كلها عوامل يمكن أن تتقاطع من دون الحاجة إلى افتراض وجود «تحالف سري». يكفي أن تتقاطع المصالح حتى تنتج روايات متشابهة.

وتدخل علاقة المغرب بإسرائيل هنا باعتبارها مادة شديدة الحساسية. فانتقاد التطبيع مشروع، لكن تحويله إلى عدسة تفسر من خلالها كل سياسات المغرب يختزل دولة كاملة في موقف واحد، ويخلق صورة جاهزة عن المغرب باعتباره جزءا من مشروع إسرائيلي.

والمفارقة أن القضية الفلسطينية ليست وافدا جديدا على المغرب، بل كانت حاضرة في سياسته ومجتمعه منذ عقود. لذلك فإن اختزال علاقة المغرب بإسرائيل في تفسير كل مواقفه لا يشرح سياسته بقدر ما يفرض حكما مسبقا عليها.

ومن هنا نصل إلى التاريخ. فلا يمكن مناقشة الاستعمار وتصفية الاستعمار في المنطقة وكأن التاريخ بدأ سنة 1975. فإسبانيا خاضت مراحل طويلة من محاولات التوسع والسيطرة في شمال المغرب، وصولا إلى نظام الحماية بين 1912 و1956، كما ارتبط وجودها الاستعماري بحرب الريف واستعمال الأسلحة الكيميائية، بينما بقيت سبتة ومليلية تحت السيادة الإسبانية إلى اليوم.

هذا لا يعني مساواة إسبانيا الديمقراطية الحديثة بإسبانيا الاستعمارية، فالفارق جوهري، لكن الديمقراطية لا تلغي التاريخ، كما أن الدفاع عن حقوق الإنسان لا يعفي أي دولة من مواجهة صفحات ماضيها. وعندما يُستدعى التاريخ لمحاكمة الآخرين، يصبح من المشروع أيضاً طرح التاريخ نفسه على الطاولة.

وفي المقابل، لا يحتاج المغرب إلى تقديم نفسه كضحية دائمة. لديه أخطاؤه وتحدياته، ومن حق الإعلام والمجتمع الدولي مساءلته عنها. لكن تحويل كل أزمة إلى استفتاء على شرعية الدولة، أو تقديم العلاقة مع إسبانيا كعلاقة «مانح ومتلقٍ»، يخفي نصف الحقيقة.

فالعلاقة المغربية الإسبانية تقوم على مصالح متبادلة في التجارة، والاستثمار، والأمن، ومكافحة التهريب والهجرة غير النظامية، والتعاون الاستخباراتي. كما أن إسبانيا نفسها تحتاج إلى الدعم الأوروبي عندما تشتد الضغوط على حدودها. المغرب ليس مجرد «حارس حدود» تتصدق عليه أوروبا، وإسبانيا ليست جمعية خيرية تدفع ثمن استقرار جارها؛ إنها علاقة مصالح متشابكة.

وهنا يظهر تناقض أوسع في الخطاب الأوروبي. قبل العبور يكون المهاجر «خطرا» يجب حماية الحدود منه، وبعد العبور يصبح «إنسانا» يجب إنقاذه وحماية حقوقه، ثم بعد انتهاء الأزمة يتحول إلى «مهاجر غير مرغوب فيه» ينبغي إعادته. وبين هذه التصنيفات تتحرك سياسات وأموال ومصالح كاملة.

لهذا فإن ما يجري لا يبدو مجرد أزمة هجرة عابرة، بل جزءاً من معركة أوسع على صورة المغرب وموقعه. الحرب الباردة الجديدة لا تحتاج إلى دبابات؛ يكفيها استوديو تلفزيوني، ومقطع قصير، وحساب مجهول، وتاريخ مبتور، ثم تكرار الرواية حتى تصبح أقوى من الحدث.

وإذا أراد المغرب حماية موقعه، فلن يكفيه أن يربح مواقف الحكومات. المعركة الحقيقية توجد أيضاً داخل المجتمعات الأوروبية، حيث يمكن لصورة دولة أن تتغير قبل أن تتغير السياسة الرسمية بسنوات. فمن يربح القرار السياسي ولا يربح الرأي العام، يترك لخصومه فرصة كتابة روايته عنه.