منازل وجدة وأحياؤها الشعبية التي احتضنت أسرار أعضاء الثورة الجزائرية
في صيف سنة 1958 سُجلت في وجدة حالات اختفاء لمواطنين جزائريين، قدرت الشرطة الفرنسية وقتها عددهم بين 10 و15 شخصا. ورغم التحريات والاتصالات، إلا أنها لم ترصد اعتقال أي منهم في الجزائر، بينما السجلات وتقارير المخبرين تسجل أنهم كانوا يعيشون في وجدة منذ سنة 1956.
يتعلق الأمر بخلية من الثوار الجزائريين، أقاموا في مدينة وجدة هربا من منشورات تبحث عنهم تصفهم بالعناصر الخطيرة. وهؤلاء كانوا على خلاف مع تيار هواري بومدين، في الجزائر العاصمة وتلمسان.
عند وصول خبر اختفاء هؤلاء الشبان إلى أحمد بن بلة، وجه أصابع الاتهام إلى قادة الجناح السري للثورة الجزائرية على الميدان، والذين كان يحركهم هواري بومدين، لذلك كانت وزارة الدفاع بعد استقلال الجزائر خاضعة له تماما، لأنه كان يملك ولاء كل المسلحين الجزائريين على الأرض. وهؤلاء نفذوا عمليات اغتيال لصالحه، دون علم أحمد بن بلة، الذي لن تكن تفصله عن منصب الرئاسة إلا سنوات قليلة فقط.
حددت هوية بعض الأشخاص المبحوث عنهم، وتركت اللائحة مفتوحة، لأن تقارير الثوار لم تكن حاسمة فيما إن كان المفقودون مُختبئين مع بعضهم، أم أنهم أقاموا في مدينة وجدة بشكل منفصل. أي أن أمل ظهور أحدهم كان واردا.
كان عبد العزيز بوتفليقة، وهو دون العشرين، يوزع المنشورات السرية في مدينة وجدة بحثا عن هؤلاء الثوار المفقودين، رغم أنه كان يعرف معلومات مهمة عن مصيرهم، وهو ما عرفه الرئيس أحمد بن بلة، بعد استقلال الجزائر، وجعله يكره بوتفليقة، لكنه اضطر إلى منحه منصبا وزاريا، لأن هواري بومدين يدعمه، بل ويدفع به نحو القمة.
كان الرهان أن يتوهم الفرنسيون أن قادة الثورة الجزائرية لا يعرفون مصير الأعضاء المفقودين، وفعلا بلع البوليس الفرنسي الطعم، واتضح لاحقا أن تيار هواري بومدين هو الذي سهر على عملية تصفية هؤلاء الثوار الجزائريين، لأنهم رفضوا الامتثال لتعليمات أحد المحسوبين عليه، وكان يُكنى بـ«التلمساني»، وعمل معه بوتفليقة ونفذ تعليماته في كثير من المناسبات.
كان عبد العزيز بوتفليقة إذن يوزع منشورات تبحث عن هؤلاء الثوار وتحثهم على الصبر وتعدهم بالمجد والخلود، وتدعو المواطنين إلى حمايتهم في حال ما إن لجؤوا إليهم. وبطبيعة الحال فإن هذه المنشورات لم تكن تضع صورهم ولا أسماءهم، وإنما وصفتهم بـ«الأبطال الأشاوس».
فرع البوليس الفرنسي في وجدة، كان يرفع تقارير يومية عن حالات الانفلات الأمني في المدينة. وكان الجزائريون قد عمدوا إلى تزوير جزء من تاريخ المغرب. كيف ذلك؟ كانت هناك عمليات نفذها قدماء جيش التحرير المغربي في فرع مدينة وجدة، أو أعضاء الخلايا السرية الذين يتحركون بين الجزائر والمغرب واستقروا سرا في مدينة وجدة لأشهر، ونفذوا بعض العمليات ضد ضباط شرطة ورجال أعمال فرنسيين يقيمون في وجدة.
بعد نصف قرن، وفي إطار الشهادات والمنشورات التي تقدمها مؤسسة قدماء المقاومة المغاربة وأعضاء جيش التحرير المغربي، اتضح أن العملية نفذها مواطن مغربي من قدماء جيش التحرير الذين التحقوا بالجيش الملكي بعد استقلال المغرب سنة 1956، وأن الجزائريين كانوا يريدون تبرير التمويل الكبير الذي كانوا يتلقونه من الجزائر في وجدة، فنسبوا العملية إلى أنفسهم لتغطية مصاريف تنفيذ اغتيالات في صفوف ثوار جزائريين ومغاربة كانوا قادمين من الجزائر. وهذا يجعلنا نفتح ملفا شائكا جدا يتعلق بالشهداء المغاربة في الجزائر الذين شاركوا الثوار الجزائريين في الثورة ودفنوا في الجزائر، وأحصيت أسماؤهم بالآلاف، في قوائم المليون شهيد. عبد العزيز بوتفليقة يعلم تفاصيل كثيرة في الموضوع، بل وكان في قلب العاصفة. لكنه عندما تسلم وزارة الخارجية الجزائرية سنة 1963، ثم عندما أصبح رئيسا للجزائر في نهاية التسعينيات، لم يقم بأي خطوة لتصحيح التاريخ وأخطاء الماضي التي كان طرفا في صناعتها.
