تحت القائمة

بوتفليقة مغربي وهذا أصل العداوة مع المغرب / ج 4

يونس جنوحي / الأخبار

قصة إذاعة الثورة الجزائرية التي بثت برامجها من المغرب

سبق أن تداولت الصحافة قصة هذه الإذاعة الثورية، التي لعبت دورا كبيرا في إيقاظ الوعي الوطني في الجزائر، خلال الثورة. لكن مغالطات كثيرة انتشرت بشأنها، كان الهدف منها تبخيس حضور المغرب وفضل جيش التحرير المغربي، خصوصا بمنطقة وجدة، في جعل تلك الإذاعة ممكنة.

كما سبق أيضا أن تناولنا موضوع هذه الإذاعة من خلال حلقات عن قصة صعود عبد العزيز بوتفليقة، والتي نُشرت في «الأخبار»، قبل وفاته بفترة. ووقتها، بمجرد نشر تلك الحلقات التي تناولنا فيها موضوع الإذاعة الجزائرية، صار الأمر أشبه بإلقاء حجرة في بِركة راكدة. إذ أيقظت بعض النقاط الخلافية بخصوص تاريخ هذه الإذاعة، ذكريات كثيرة في صدور وعقول قدماء جيش التحرير المغاربة الذين كانوا في قلب تلك الأحداث.

كان توقيت بث الإذاعة السرية الجزائرية المناوئة لفرنسا لا يتجاوز الساعتين يوميا سنة 1956. وهي السنة نفسها التي تأسست فيها هذه الإذاعة، بعد أن كانت فكرة تراود قيادات الثورة التي كانت في حاجة إلى ذراع إعلامي لمخاطبة الجزائريين وتجييشهم ضد الاستعمار.

كان استقلال المغرب عن فرنسا، هو الورقة التي ولدت بها إذاعة الجزائر السرية، التي سميت أيضا إذاعة الثورة. لكن بدايتها كانت في شاحنة تحمل معدات البث، وهي نفسها الشاحنة التي أدخلت بها تلك المعدات من إسبانيا إلى المغرب.

بعض المصادر تقول إن المعدات تم إدخالها من فرنسا بطريقة ملتوية، ثم قاموا بتجميعها على الحدود وإدخالها إلى المغرب، لكن الأمر تزوير كبير للتاريخ.

الحقيقة أن شاحنة البث تم اقتناؤها في إسبانيا، بمساعدة مغاربة من قدماء جيش التحرير والحركة الوطنية، بحيث كانوا يتوفرون على خبرة في الموضوع. إذ إن عبد الكبير الفاسي، أحد كبار رموز حزب الاستقلال، كان مستقرا في إسبانيا ويستقبل في مدريد قيادات مغربية وجزائرية، أثناء عمليات التخطيط لإدخال السلاح إلى البلدين لمقاومة الاستعمار الفرنسي. وهو سلاح وضعه جمال عبد الناصر رهن إشارتهم في مناسبتين، وليس مناسبة واحدة كما تداولت ذلك بعض الأطراف المتصارعة سياسيا.

هذه المعدات المتطورة للبث، تم اقتناؤها خصيصا حتى لا يهتدي الفرنسيون إلى تحديد موقعها، وبالتالي قصفها. ولذلك لم يتم تحديد مقر معين للإذاعة، رغم أنها كانت في الأشهر الأولى لبثها تبث من منزل عادي في مدينة الناظور، وضعه مالكه رهن إشارة الثوار، بينما بقيت الشاحنة التي نقلت المعدات من إسبانيا مركونة في مكان مخفي. قبل أن يتم اقتراح تحويل الشاحنة إلى وحدة بث على طريقة الجيش، حتى يستحيل تعقبها على المخابرات الفرنسية، التي تحركت بقوة لتحديد موقع الإذاعة، وإنهاء وصلات البث المعادية لها التي كانت تحظى بشعبية كبيرة في أوساط الجزائريين. وبعد ذلك تغير موقع الإذاعة واقتربت من الحدود الجزائرية، حيث أصبحت قبيل استقلال الجزائر تبث من الحدود نواحي مدينة وجدة، دائما في تلك الشاحنة المخصصة لنقل معدات البث، حتى يستحيل تحديد موقعها وبالتالي قصفها أو اعتقال مذيعها عيسى مسعودي.

الإعلامي الجزائري عيسى مسعودي كان هو المذيع الأبرز للإذاعة السرية الجزائرية، التي كانت تبث من المغرب. كان قد حباه الله بصوت حماسي استثنائي، حتى أن الجزائريين كانوا يقلدونه بحماس، مرددين شعارات الثورة التي كان يكتبها له أعضاء الثورة، عندما كان عبد العزيز بوتفليقة يحلم بالانضمام إليهم، وهو لا يزال تلميذا في مرحلة البكالوريا.

يُنسب إلى هواري بومدين اعتراف بأفضال المذيع عيسى مسعودي على الثورة، وهو قوله إن نصف فضل تحرير الجزائر يتقاسمه الثوار، بينما النصف الثاني من الفضل يعود إلى عيسى مسعودي وحده.

لكن الحقيقة أن مدينتي وجدة والناظور كانتا وراء وصول صوت مسعودي إلى الجزائريين. ولو أن إذاعة الجزائر تأسست في التراب الجزائري، لتم قصفها وحتى اعتقال من كانوا وراءها بسهولة شديدة على يد الفرنسيين. لكن البث من المغرب، خصوصا من منطقة الشمال التي كانت غير تابعة للنفوذ الفرنسي، وتراقبها إسبانيا، «أطال» عمر الإذاعة الثورية.

العلاقة بين بومدين وبوتفليقة والأسرار التي دفناها معا في وجدة

سنورد هنا شهادة مهمة لأحد أوائل الموثقين للثورة الجزائرية وعملياتها التي انطلقت من المغرب، والتي تناولت موضوع السلاح والاجتماعات السرية في وجدة. لكن ما يُعاب على صاحبها أنه اشتغل عليها في فترة حكم عبد العزيز بوتفليقة، فكان مُجبرا من الناحية البحثية على إبراز الدور الذي لعبه الرئيس السابق للجزائر، خصوصا وأنه وُلد وعاش في وجدة وقضى فيها أغلب سنوات شبابه.

يقول هذا الباحث، واسمه عمراني بن الحسين، وهو من مواليد نواحي تلمسان لأم مغربية وأب جزائري، توفي سنة 2011، في شهادته على المقاومة التي جمعها الأكاديمي  الدكتور عمر الخبالي: «عبد العزيز بوتفليقة لولا وفاة والده سنة 1958، لما حظي بثقة أعضاء الثورة الجزائرية في وجدة. لم يُقنعهم على مستوى تنفيذ العمليات، لأن بنيته الجسمانية لم تكن في مستوى خطورة العمليات. كما أنه لم تكن لديه أية دراية نهائيا بالتضاريس والطرقات السرية بين المدن في الجزائر، بحكم أنه ترعرع في المغرب، وما يعرفه عن الجزائر لم يكن سوى حكايات اللاجئين في وجدة،

لكنه عوض ذلك كله ببصيرة منفتحة. هذه هي الحقيقة، لقد كان أعضاء الثورة في الجزائر يحتاجون إلى من يوثق، لأن حملة السلاح كان عددهم كبيرا، لكن الذين يتقنون صياغة التقارير وتلخيص مضامين الاجتماعات وكتابة الرسائل، لجمع التبرعات وصياغة جداول للميزانية… إلخ، لم يكونوا موجودين في صفوف الثوار، لذلك تعزز وجود بوتفليقة بسرعة في الجزائر. وقد لعب دورا كبيرا سنة 1958، عندما ناب عن عدد من القيادات في الثورة، لكي يكتب لجمال عبد الناصر والملك الأردني أيضا رسائل شكر على مساعدات للثورة الجزائرية. وأتذكر أن بن بلة مباشرة بعد استقلال الجزائر، دعاه إلى تعلم اللغة الإنجليزية لكي يرسله إلى الأمم المتحدة وبعض الدول الأجنبية الصديقة للجزائريين، وهنا برز دوره السياسي».

هذا الكلام قيل قبل تنحية بوتفليقة عن السلطة. وربما لو أخذت هذه الشهادة بعد سنة 2017 من صاحبها، لربما كان مضمونها سيشهد بعض التغيرات. فالصحافي الجزائري فريد عليلات الذي تناول قصة حياة بوتفليقة، كان لديه رأي آخر. وذهب حد اتهام بوتفليقة بالوقوف وراء اغتيالات أشرف عليها هواري بومدين، الأب الروحي لعبد العزيز. بل ذهب هذا الصحافي إلى القول إن بوتفليقة عُين وزيرا للخارجية وهو لا يزال شابا، مكافأة له على «المهام السوداء» التي كلفه بها بومدين في مدينة وجدة، قبل استقلال الجزائر