تحت القائمة

قصة السبت .. نافذة على البحر

يوسف خليل السباعي/ تطواني

لم تكن نافذة منزلنا في ثانوية وادي الذهب تطل على البحر مثل نافذة نرجس.
كانت نافذتنا تطل على الأشجار الكثيفة التي لم تكن تبعد إلا بمسافة صغيرة عن الطريق الممتد الذي كانت تمر منه السيارات والحافلات والشاحنات مغادرة أصيلة.
كانت ثانوية وادي الذهب بناية ذات مساحة خضراء، عندما تنظر إليها من بعيد تشعر كما لو أنك مستلقي بين ذراع الطبيعة؛ لم يكن ثمة سوى منزل للمدير وثان للحارس العام وثالث للمقتصد على ما أتذكر. وكانت الأقسام تبعد بمسافة عن المنازل؛ وفي داخل الثانوية الإدارة بمكاتبها، وكان لنا مدرس الفرنسية كالبو والعربية البوعناني، لم تعد ذاكرتي تتعرف على المدرسين الآخرين كما لو أنهم أشباح.
يجب أن يعلم القارئ أن الذاكرة لاتحتفظ بكل شيء، وأنها ترتكز على الانتقاء، بل وأحيانا تقوم بالتبديل والتحويل، وليس ممكنا إعادة الحياة لماهو ميت في الذاكرة.
كانت نرجس فتاة حسناء سمراء، وشديدة الانفتاح وكانت تمتلك نظرة جذابة وخالبة… وكانت، فيما أظن، أسيرة صفاء البحر. تظل لأوقات تطل عليه من نافذتها إلى حد التوحد معه. ولم يكن كلامها سوى عن البحر وكائناته الغريبة التي لم يكن يدرك أحد ما معناها. كانت نرجس تتعرف على أسماكه وحيتانه، وتعرف أسماءها، بل إنها تقرأه كما لو أنه كتاب مفتوح ينبغي الغوص في أغواره للوصول إلى كنوزه واستيتيقيته ومايخفيه من مفاجئات وعجائب.
وذات صباح، كنت مارا من أمام منزلها، فرأيتها تطل من نافذتها على البحر الصافي، فناديت عليها باسمها، لكنها لم تنظر صوبي كما لو كانت غائبة عن الوجود، مسحورة بالبحر وأمواجه الخفيفة الحنونة، غير أنها، مع ذلك، كانت تدرك في أعماقها أن البحر متقلب، وإذا كان صافيا اليوم وأمواجه خفيفة وحنونة، فإنه قد يتحول وتغدو أمواجه كاسرة و هائجة وعاصفية.
وفي يوم من أيام الله الممتدة، وأنا أتابع درسا تحليليا للمدرس الفرنسي كالبو لرواية ” مدام بوفاري” لغوستاف فلوبير، تذكرت هوس نرجس بالبحر، وقلت في سري، متسائلا:” ألم يكن من الأجدى أن تكون معنا في الثانوية، وتستمتع بهذا الدرس… وتتعرف على قيمة هذه الرواية”. بيد أن صوتا في أعماقي هاتفني:
– ” لاتفكر أيها الأحمق في هذا الموضوع، فنرجس لم تدخل مدرسة قط… وهي لا تحب شيئا في حياتها سوى البحر، وكانت تتمنى أن تولد سمكة أو حوتا”.
واستبعدت أن تكون نرجس فكرت في أن تكون سمكة قرش، ولكن تفكيري هذا لم يكن صائبا. ولكنني كنت أعرفها، وما أعرفه أكثر هو التصاقها بالنافذة التي كانت تطل منها على سر أو لغز، لم أتمكن من الكشف عنه كما لو أنه صندوق مغلق بإحكام، لايستطيع أحد فتحه.
وذات مساء، وأنا أمر من أمام منزلها، متشوقا لرؤيتها تفاجأت بأن النافذة مغلقة… استغربت في أول الأمر، إلا أنني أدركت أن نرجس والبحر لم يكونا إلا توأمين.

– اللوحة للفنان سلفادور دالي