تحت القائمة

قصة السبت .. الرئيس ” خ “

🖊️يوسف خليل السباعي

كان خ يجلس في المقهى وحيدا.
لاشيء يملأ مائدته البئيسة سوى سجائر الديطاي وكأس قهوة عادية. وكان يرتدي بدلة وربطة عنق رماديتين إذ يمسك طرفي الربطة بأصابعه كما لو أنه يخنق نفسه…. وكان يبدو لمن يراه، حيث كان ضعيفا كالنملة، ومن لون البدلة الذي شحب من كثرة التصبين والتنظيف، ينتمي إلى عائلة مسمومة. كما أنه لم يكن يضحك تماما، وهذا الشيء الذي جعله وحيدا.
استمر على هذا الشكل لمدة عام إلى حد أنه أصبح من الزبائن الأوائل للمقهى.
كان مالك المقهى س مهاجرا من الأجيال القديمة التي ذاقت مرارة الهجرة وكان قد جمع المال من كدحه وشقائه في أمستردام، وعندما كان يأتي في الصيف كان يرى المقاهي بشارع محمد الخامس فيقول في قرارة نفسه: لن يمر عام حتى تكون لي أنا أيضا مقهاي الخاصة.
كان شارع محمد الخامس من الشوارع القديمة والجميلة بتطوان فبناياته ذات طراز معماري إسباني خالب حيث النوافذ الشاسعة العالية واللون الأبيض والأشكال الهندسية الجميلة والأخاذة كامرأة غرناطية أندلسية وادعة وجذابة. وكانت نظرة واحدة للشارع طولا وعرضا تجعل الرائي يرى عمارة الرجل الطير والمدفع والنافورة، إلى جانب مكتبة ألكاراس المزينة بكتب بلغات مختلفة وأشياء أخرى.
في هذا الشارع اشترى س مقهى باريس.
وفي هذا المقهى كان يجلس خ وحيدا يدخن سجائر الديطاي بنفس البدلة التي لم يبدلها منذ شهور وأعوام.
الغريب أن خ لم يظهر على محياه الخوف على الرغم من أن حوادث كثيرة كانت تقع في الشارع على مرأى ومسمع منه. أذكر أن غريبا كان قد حمل سيفا وهدد به وهو يصيح بكلام غير مفهوم فقبض عليه البوليس واقتادوه مكبلا من يديه ورجليه إلى الكوميسارية الكبيرة ليعرفوا ماذا كان يجري في رأسه الساخن.
كان خ يظل صامتا ولايحرك ساكنا حتى لما سرق لص الحقائب وملابس الغسيل حقيبة يدوية لفتاة بيضاء سمينة سقطت أمامه ولاذ بالفرار.
وذات يوم خريفي إذ كانت أوراق الأشجار تتساقط ويدفعها الريح متلاعبا بها لم يأتي إلى المقهى، بيد أن لا أحد اهتم به أو تذكره وبقي كرسيه ومائدته (كما لو أنه ورثهما) فارغين إلى أن جاء مالك المقهى س وسأل عنه مستغربا لغيابه.
مرت سنتين.
ها هو العمر يجري بسرعة بينما يعتقد الإنسان أنه بطيء، لكن كل شيء ينسى كأنه لم يكن وقد يتذكر نتفا لا غير.
وفي يوم ضبابي من السنة الثالثة من غياب خ عاشت المدينة حملة انتخابية جماعاتية صاخبة وامتلأ شارع محمد الخامس بالمنشورات والملصقات والبرامج المكررة وصور المرشحين والمرشحات… ومرت قوافل وقوافل تهتف باسم خ محمولا على الأكتاف وهو يضحك، وكانت أول مرة يضحك في حياته.
كان خ ينتمي إلى حزب (بطولي). انخرط فيه منذ وقت بعيد، لكنه لم يكن يصرح بذلك.
ظهرت النتائج و كان هو الرئيس.
لم يكن ذلك سهلا لأنه مر من دروب وكواليس ودهاليز كثيرة ليصل للرئاسة.
أول شيء فعله خ عندما أصبح رئيسا أنه أحرق بدلته الرمادية المتعفنة وارتدى بدلة جديدة أنيقة مع ربطة عنق لامعة وجديدة أيضا وحذاء أسودا إسبانيا متينا، وجلس في نفس موضع كرسي ومائدة المقهى، إلا أن مالك المقهى حينما علم بقدومه أمر الندل باستبدالهما بكرسي ومائدة جديدين يليقان بمقام الرئيس الجديد.
وفي هذه المرة كان خ يضحك ويدخن سيجارته من علبة وينسطن ويحتسي قهوته السوداء العادية في فنجان أبيض قمري ناصع!

■ الصورة عن جزء من شارع محمد الخامس بتطوان: عدسة الفنان التشكيلي عبد الكريم بنطاطو