تحت القائمة

الكتابة البروستية في سيرة ” صدق أبريل وكذبت كل الشهور” لعبد الجليل الوزاني

يوسف خليل السباعي

لماذا يكتب الكتاب سيرهم الذاتية أو الروائية؟ مع أن هناك فرق بين السيرة الذاتية ( الأوتوبيوغرافية) و” الروائية” الرومانيسك Romanesque” ( التي ترجمها عبد الله العروي بالسيروية) و”الحياتية” أو سيرة الحياة= البيوغرافية، وسيرة من الذات كما نجد ذلك عند أحمد المديني، أو “التخييل الذاتي” كما نجد ذلك عند عبد القادر الشاوي وعند كتاب آخرين.

إن نظرة عميقة لما كتبه الكتاب من سير أو ماكتب عنهم يدخل في ما يسمى بالأجناس الأدبية، إنه عمل أو أثر أدبي، والأثر الأدبي له صلة بعيدة الغور بتاريخ الأفكار، بمعنى أن المسألة تتعلق بالفكر والأسلوب عبر الأزمنة والأمكنة والأسلوب ليس شيئا آخر سوى الكتابة من حيث هي ممارسة وإنتاج، بمعنى أنها ترتبط بما هو نفساني وإنتاجي أو إبداعي، ولا يمكن للنفساني أن لا تكون له صلة بتعدد الذات ( اللاوعي) في سيرورتها وصيرورتها وبالديمومة أيضا وهذا التعدد تاريخي ومجتمعي، كما لا يمكن للإنتاجي ألا تكون له صلة بالخلق والإبداع: أي بالخيال والتخييل والمتخيل. فليس ممكنا أن يكون الإبداع في غياب الخيال.

وعلى هذا المستوى، لا يمكن لكتاب السير في تعدديتها ومفاهيمها أن يكتبوا عن كل شيء، ليس بدافع الخطوط الحمراء، وهي ماثلة، وإنما بدافع المستحيل. فالذاكرة لا يمكن لها أن تلتقط كل التفاصيل، إنها لاتحضر إلا في غضون الكتابة التي تتم على مراحل، كما أنها لاتشتغل إلا من خلال الاستذكار والاذكار والتذكير والتذكر والذكرى كل هذا مصبوب في قوالب جسدية، فإذا كانت الكتابة عامة تمر عبر الجسد كما يقول رولان بارت، فإن هذا هو ذاته ليس له نفس الأفكار، إن الجسد يعمل عن طريق التزييغ، ويستجلب اللذات والمتع والحركات والرغبات والأصوات والأصداء. إن كتاب السير أيضا يعتمدون على ما كانوا عاشوه أو سمعوه أو رأوه أو قرأوه أو حلموا به أو تعلموه أو درسوه في الحياة.

إنهم ينطلقون من الطفولة واليفاعة والشباب والشيخوخة، بمعنى تجارب الحياة بما تحمله من معاناة وشقاء وسعادة وفرح وحزن وحب وزواج وعمل وإنجاب في حالة أو حالات، في وضع أو أوضاع، في ما يمر به الكتاب من قسوة ومن رأفة، من فضائل وقيم ومن رؤى وتصورات وإدراكات، ومن بقايا صور ( حنا مينه نموذجا).

إن حالة محمد شكري هي حالة فريدة في كتابة السيرة الذاتية في المغرب. إنها حالة لن تتكرر. ومع ذلك لا يمكن أن نصدق فيها كل شيء، إنه كتب سيرته الثلاثية عبر الأزمنة والأمكنة بعد أن كان كل شيء قد اندثر وتغيب، هكذا يغدو الاستذكار والاسترجاع في ثلاثية “الخبز الحافي” و”زمن الأخطاء” و”وجوه” نتف من الذاكرة واللحم: لحم الكاتب المعروض في شظايا وشذرات ونتف من خلال الجمل النحوية الناجزة والتركيب. إن جسد محمد شكري هو ما ينزف الدم، لغويا، كما هو حال المنزوف.

في حالة عبد الجليل الوزاني التهامي استطاع بذكائه أن يلعب على ثنائية الإظهار والإخفاء كما لو أنه يقول لنا: ها هي سيرتي الروائية لاتنظرون إليها كسيرة ذاتية أو تخييل ذاتي أو رواية، وإنما هي بروستية ( نسبة إلى مارسيل بروست)؛ بمعنى أن عبد الجليل الوزاني التهامي لم يخرج عن هاجسه “الروائي= الرومانيسك” ( الأفق الخيالي لخطاب المقال= رولان بارت) باعتباره كتب العديد من الروايات. إنه يفرق جسمه (أو جسده الكلمة العميقة) على جسوم كثيرة، إنه يقدم لنا نصا ظاهرا هو سيرته: الطفولة، الأب الأم، الزوجة والأبناء، الإخوة والأخوات، الأعمام، الأصدقاء، الأقارب، المعارف، أطور ومحطات التعليم و معاناته كوظيفة أصلية، والسفر والعمرة والحج واتحاد كتاب المغرب والرابطة وعيد الكتاب وثلاثيته الروائية” احتراق في زمن الصقيع” وامرأة في الظل” وأوراق من ملفات مؤجلة” وغيرها من الأشياء والأغراض والكائنات، والطبيعة، والمرض،(كما تحضر الأمكنة والمدن كحيوات وكإطارات وكفضاءات مساعدة على تكوين البناء السري وتركيب السيرة الروائية، والنص الباطن أي ماسكت عنه من تفاصيل أخرى يكشفها بياض الكتابة بتألم بقليل. صبره وتحديه ونقده وعزلته ككاتب روائي جعل من الكتابة رغبته التي لاتنتهي، ومن ثم، مشروعه الروائي المتواصل.

هناك كذلك في ” صدق أبريل وكذبت كل الشهور” العنوان المثير والمؤثر والمعكوس والذي له طابع فصلي
من الفصول)، علاوة على الاعتناء بالفروع و العناوين من خلال كتابة تشذيرية متشظية تمنح كل فرع عنوانا له بعد ترتيبي معتمد على التقطيع والتركيب في السيرة الروائية كما هو حال المونتاج السينمائي.

يتحدث عبد الجليل الوزاني التهامي عن هذه السيرة، فيقول بطريقته الخاصة عند تخصيص يوم دراسي حول سيرته:” لحظات جميلة في لقاء حول سيرتي الروائية ” صدق أبريل وكذبت كل الشهور” لحظة من اللحظات الجميلة يتنازل فيها “أبريل” لشقيقه “مارس” الذي أبى أن يحتفي بسيرتي الروائية ‏‏”صدق أبريل وكذبت كل الشهور” الصادرة مؤخرا عن مكتبة سلمى الثقافية، في حفل بهيج اجتمع فيه ما ‏لم يجتمع في غيره، هذا الحفل الذي أقيم بمبادرة مشكورة “للمركز الثقافي أكليل تطوان” (المركز ‏السوسيوثقافي التابع لمؤسسة محمد الخامس للأعمال الاجتماعية لرجال التعليم) في شخصه مديرها الثقافي ‏الأستاذ البهي عماد العطار، وبمباركة “رابطة أديبات وأدباء شمال المغرب”، ومشاركتها الفعلية ‏والمعنوية.‏ وبالمناسبة أتقدم بعميق شكري وامتناني ـ من اليمين الى اليسار ـ للدكتور محمد الفهري والدكتورة سعاد ‏الناصر، والدكتور الحسن الغشتول، بقراءاتهم العميقة والممتعة، كما عودوني دائما، والدكتورة جميلة ‏رزقي التي أضفى تسييرها الراقي والمميز رونقا خاصة على اللقاء. كما لا يمكنني أن أنسى الالتفاتة الجميلة للفنان التشكيلي المتألق يوسف العزواني التونسي التطواني الذي ‏أبى إلا أن يهديني مشكورا لوحته الرائعة التي زينت سيرتي الروائية لتخرج عن نطاق غلاف كتابي إلى ‏واقع يزدني بها بيتي. ‏ولا تكتمل نشوة الاحتفال إلا بالحضور البهي والنوعي ابتداء من أقربائي وأصدقائي بالرابطة ورفاقي في ‏درب الإبداع الأدبي والفكري والتشكيلي سواء بمدينة تطوان أو شفشاون وغيرهما، دون أن أنسى القراء ‏وعموم المتتبعين الذي ملأوا جنبات القاعة طيلة لحظات اللقاء.‏

وأخيرا أشكر كل من قام بالتغطية الإعلامية للقاء وعلى رأسهم فريق القناة الأولى، والمواكبة المباشرة ‏على صفحات التواصل الاجتماعي للرائعة سهيلة ريان والأديب الأنيق يوسف خليل السباعي”.‏

هذا هو عبد الجليل الوزاني التهامي الإنسان والروائي الذي مر بتجارب في الحياة كان لابد أن يتذكرها ويستذكرها من خلال جسده مسافرا من خلال الأشياء البسيطة في قنوات ذاكرته حافرا فيها بأظافره لإخراجها للعموم بالكتابة عنها بعد صعوبات وتحديات. إن عبد الجليل الوزاني التهامي روائي يستدعي الرواية كأفق في الكتابة الروائية، ورجل حفريات… إنه أركيولوجي روائي يحفر عن الأثار ببحثه العميق وخياله الواسع.

بخصوص هذه السيرة الروائية مسلطا الضوء عليها كتب عبد الجواد الخنيفي:” في إطلالة إبداعية تبرز قيمة جمالية تنضاف إلى أعماله الروائية، يطالعنا الروائي عبد الجليل الوزاني التهامي بعمله “صدق أبريل وكذبت كل الشهور”، حيث الذاكرة تستدعي صورا من الطفولة ومساحات وتطلعات وتأملات وانكسارات وإيحاءات وأحلاما فضلا عن استحضار الوقائع الاجتماعية والثقافية، كاشفا عن سيرة تعانق استبطانات الذات والآخر، وجاعلا من نافذة اللغة أداة للتعبير وطاقة للحياة.

استطاع الوزاني التهامي، في العمل الصادر عن منشورات مكتبة سلمى الثقافية بمدينة تطوان، وهو يُعيد الإنصات إلى مناطق بعيدة من مسارات حياته، الوقوف أيضا على عديد من الأحداث والمواقف التي رافقها ورافقته؛ فالذاكرة بحيويتها تتوقف عند تفاصيل وشخصيات ووجوه ارتبط بها ارتباطا عن قرب أو تلك التي جمعته بالمحيط الاجتماعي لمدينة تطوان وغيرها في انفعالاته وتحولاته. كما أن معمار الحكي في المتن السردي من السيرة الروائية لعبد الجليل الوزاني يؤدي دورا فعالا، عبر حدود الأزمنة وانتقالات الأمكنة وحضور الأب والأم والعائلة والأطياف المُتعاقبة”.
“في انتظار الخطوات الأخيرة” يكتب عبد الجليل الوزاني التهامي:
“من الصعبِ الانتقالُ من الحكي عمَّا مرَّ وانتهى، إلى الحكْي عمَّا لازال يمرُّ ببطءٍ أشد من وطأة الماضي بكاملِه، من الصعبِ الكتابَة عن لحظاتٍ نعيشُها بمرِّها وبألمِها وبكميةٍ هائلَة من الـحسْرة والاحساسِ بالضَّياع، من الصعب أنْ أختمَ هذه الرحلَةَ التي لازالتْ مُتواصِلةً رغم كلِّ شيْءٍ..
.. وقفتُ ببابِ مَكتبِي مغادراً، لم أسدلْ سِتار النافذَةِ الوحيدِة، فكيفَ سأسدلُه وقدْ أسقطتْه الأيامُ وزهدتُ في إعادتِه، لكنَّ الزمانَ أسدلَ ستار آخرَ إِيذاناً بنهايةِ «التراجِيدْيا»، ألقيتُ بنظرَةٍ أخيرةٍ وسريعةٍ هروباً من وطأَة الأحاسيسِ الحميميّةِ التي انتابتْني نحوَ الأشياءِ الجامدَة: مكتبِي، مقعدِي، حاسوبِي، الخزنَات وكثِير من الملفاتِ والأوراقِ المتراكِمة قدْ لا تساوِي شيْئا في المزادِ، تأكدتُ أنَّني لم أنسَ شيْئا يخُصنِي أنَا وأنَا فقَط. خرجتُ الى الممرِّ، ألقيتُ بنظرةٍ، كنت أفضلُ أنْ أنسحبَ دون أنْ أرَى أحداً تجنُّبا لوداعٍ قاسٍ بعد تسعِ سنواتٍ كاملةٍ أمضيتُها بالمكانِ.
نزلتُ إلى الطابَق الأوَّل، كانَ هُناك بعضُ الزملاءِ، بيْنهم من ألمَني فِراقُه..
بالخارجِ لم ألتفتْ خَلفي، نحوَ بابِ «المصلحةِ» التي صارتْ رمزاً لعبءِ العملِ والوظِيفة، كأنَّني أتخلَّصُ من ثِقْلها، كأنَّني أُنْزِلُها من كاهلِي بعدمَا تحمَّلتُها طَويلا، تخلصتُ من الإملاءاتِ والأوامرِ ورنينِ الهاتِف الذي لا يتوقَّفُ ومنْ سيلِ المراسلاتِ والمُذاكراتِ الملِيئة بالوَهْم، ومنْ.. ومنْ.. كنتُ أتخلَّصُ من «رِقِّ» مقنَّعٍ خضعتُ لقانونِه ولذُلِّه راضياَ وكارِهاً.
لمْ تكنِ الانطلاقةً بالعذوبةِ التي كنتُ أتوقُ إلى تذَوقِها، ولكنَّها في النهايةِ قدْ تحققتْ بعد سفرٍ طويلٍ من التَّعب والكدِّ مُتَدرِجا بينَ أسلَاك الدراسةِ وحجراتِ التَّحصيل، سنوات مثقلَة بالواجباتِ المطلُوب إنجازُها والنصوصِ الملْزِمَة بحفظِها، منتقِلا بين العَمل بالتدريسِ حيثُ التحضيرُ والتصحيحُ وغبارُ الطباشِير، ثمَّ الإدارَة المثْقَلة بالمسؤولياتِ وكثيرٍ من العبثِ.. سنوات عمرٍ من الصَّعب اختزالُها في كلماتٍ.
هلْ كانَ تخلُّصِي من الوظِيفة بدافعِ التفرُّغ للكتابَة؟ الكثيرونَ ظنُّوا ذلك، لكنَّ الواقعَ شيئاً آخرَ، فالكتابةُ ليستْ مِهنةً أو حِرفة بالنسبةِ لِي تتطلَّبُ التفرُغ، بلْ هي «نزوةُ» تأتِي وتغِيب بمزاجٍ خاصٍّ من دون استئذانٍ، فلمْ أكنْ وأنا أكتبُ العديدَ من الرواياتِ متفرِّغا للكتابَة، بلْ فقط كنتُ أقتطعُ لحظاتٍ من وقتِ راحتِي لأكتبَ، متجنِّبا التفكيرَ في ذلك وأنا بمقرِّ العمَل، وقد حققتِ الأعمالُ التي كتبْتُها في وقتِ الضيقِ تجاوباً ونجاحاً أكثر من التي كتبتُها وأنا في تفرغٍ مريحٍ نسبيَّا…”. بيد أن كاتب السيرة لم تكن الكتابة عنده ” نزوة” كما كتب فقط، بل هي رغبة لاتنتهي، إنها تنفس، ومايجعله يتذكر ويستذكر أشياء وأغراض وعوارض وكائنات الماضي إذ يستحضرها في متخيله. إنه البروستي الجديد الذي يلتقط التفصيل السردي من غرض أو شيء بحثا عن الزمن المفقود. إن الكاتب لايعثر على حريته في الكتابة إلا في لحظة تخلصه من الوظيفة بكل إكراهاتها وخضوعاتها وصعوباتها. ليس للكاتب من منقذ من الغرق في روتين الوظيفة الثقيلة سوى الكتابة والرغبة فيها بلا انتهاء حتى الموت. وعلى الرغم من كل هذا تظل خطواته ناقصة. إنه يفكر في استئناف خطواته، الأمر الذي يستدعي التساؤل عن وجه آخر لسيرة أخرى ربما آتية في الطريق، لكن هذا السؤال يرتبط بالرغبة في الكتابة لدى كاتب السيرة الروائية.

هناك جانب آخر، يظل غصيا على القبض في السيرة الذاتية ( ولو أن عبد الجليل الوزاني التهامي يصرح كتابة بأن” صدق أبريل وكذبت كل الشهور” سيرة ذاتية صادقة بمعنى أنه يطلب من القارئ أن يصدقها) أو الروائية هو مدى اتساع الصدق والكذب في السيرة كيفما كان جنسها.