تحت القائمة

قصة السبت .. شاب عند نافذته

يوسف خليل السباعي

يقف شاب عند نافذته وينظر ويرى دون أن يكون قد نظر ورأى شيئا. وهذا أمر غريب لم يحدث له إلا في ذلك اليوم.
كان يفكر في الدار القديمة، كيف هي الآن ومن هم البشر الجدد الذين يقيمون بها؟
كانت تلك الدار قريبة لدار الشاعرة هدى التي أحبها شباب المدينة الجافة. المدينة التي لابحر لها، وكان بحرها متشكلا من السينما والشوارع.
والغريب أن الشاعرة هدى لم تحب إلا شابا واحدا، وكانت ترغب في الزواج منه. وهذا قد يكون سرا لايعرفه إلا بعض البشر.
وفي يوم من الأيام جاء إلى المدينة رجل غريب يرتدي بدلة سوداء بلا ربطة عنق وحذاء أسودا لامعا كذلك. كان الرجل الغريب ضعيف البنية هزيل الجسم ومدخن شره لايثرثر مثل الآخرين. خطف الشاعرة هدى وتزوج بها، ثم ذهب بها بعيدا إلى مدينة أخرى.
لم تعد الشاعرة هدى إلى الدار إلا بعد سنوات طويلة. انفصلت عن رجل السواد الضعيف وعادت امرأة ناعمة، ناهدة، بوجه قطة بيضاء نظيفة تجوب الشوارع وتجلس في المقاهي وتلج القاعات السينمائية، وتكتب قصائدها بلذة حيث تكثر من الحديث عن أعضاء جسدها.
وظل البشر يتكلمون عنها وعن زواجها وطلاقها وطلاقها وزواجها، إلى أن بقيت وحيدة لاتصاحب إلا قلم رصاصها الذي تكتب به قصائدها وأوراقها البيضاء الخفيفة كالريشة.
وذات صباح، استفاق البشر على نبأ رحيلها، إلى أين؟ لربما، إلى مدينة أخرى.
ظل الشاب عند نافذته ينظر ويرى وهو ينتظر عودتها إلى الدار. كانت الطريق طويلة والبنايات قديمة.

■ اللوحة للفنان غوستاف كايبوت