تحت القائمة

فنانة الخميس .. منية تويس تشكيلية يفتنها الضوء

يوسف خليل السباعي/ تطواني

تعرفت على الفنانة التشكيلية منية تويس في مقهى بتطوان منذ وقت بعيد حين كنت أعمل بجريدة ” العلم” المعروفة، وكانت بصحبة الفنانة التشكيلية الذائعة الصيت خديجة طنانة التي أجريت معها حوارا مطولا. كما حاورت أيضا بعد ذلك بأيام منية تويس، لكن مكتوب الحوار بقي في أرشيف الجريدة، أو لم يبقى… ذلك أمر في علم الغيب. والواقع أن أرشيفي الصحفي احترق، ولم يعد موجودا.

كتبت منصورة عبد الأمير عن افتتان منية تويس بالضوء: “الافتتان بالضوء وحده هو ما أخذ الفنانة المغربية منية تويس، نحو الألوان. الألوان ولا شيء آخر. هو الضوء المتوسطي، الذي تجده تويس، يحمل بهاءً مختلفاً، لا يشبه بهاء أي ضوء آخر، وهو ما جعلها تبحر في اللون، درجاته، وشفافيته، الشفافية التي أبهرتها وحرصت على الحفاظ عليها دائماً حتى بعد مزج الألوان وتقريبها وتقطيعها”.

سبق لمنية تويس أن تحدثت لـ «فضاءات الوسط» عن “فوضى الضوء واللون بداخلها وعن تحويلها تلك الفوضى «الخلاقة» لاشتغال فني مختلف”، ذلك أنها لا تظن أن عملها تجريد لكنها طبقات لونية. فألوان لوحاتها هي مزيج من درجات لونية مختلفة على أنها في بحث دائم في اللون وحساسيته، وفي الضوء على وجه الخصوص، فالأسود قد يكون قاتماً في الضوء ولكن هذا لا يعني أنه لون قاتم. كما أنها لا تتحدث عن ألوان بحد ذاتها، بل في الطبقات اللونية وما وراءها. فحين تنظر إلى السماء بالعين المجردة- كما قالت لمنصورة عبد الأمير- فلن تجد لوناً واحداً بل ألوان كثيرة أبيض، أزرق، رمادي، أخضر، أحمر، برتقالي، هذه الطبقات اللونية هي وسيلتها في البحث عن عملها الفني.

وفي هذا الصدد، هل عندما يتحدث الفنان التشكيلي أو الفنانة التشكيلية عن أعمالهما سيعود هما نفسيهما. إنه أمر محير حقا. ولكن لنتتبع كلام منية تويس التي تقول: ” أنا لا أدرى أية مدرسة تقدم أعمالي، ممكن أن تكون أعمال تجريد، لكن الفكرة التي تكون موجودة لدي حين أعمل هو أني أنطلق من إلهام الطبيعة فحين أنظر إلى منظر ما، لا أرسمه بالكامل بل أركز على مقطع منه. وإذا تحدثنا فلسفياً فإن تصغير الموضوعات بهذا الشكل، يجعلها تكبر فنياً، وربما هذا ما يجعل أعمالي تبدو للآخرين كتجريد، ولكنها بالنسبة لي ليست كذلك”.

وككل فنان وفنانة لايستقر بهما الحال على شكل بل يتحولان إلى أشكال أخرى. لنرى هذا:” تغير المسار التشكيلي لدي، وتغيرت علاقتي مع المرسم والأدوات والألوان، وبدأت أنحو نحو المسار التجريبي، وهو مسار لا ينتهي ولا يتوقف أبداً لدي، فهناك دائماً الجديد وأنا أحب البحث والابتكار”.

وفي سؤال ذكي لمنصورة عبد الأمير :” كيف تأثر هذا المسار التجريبي بالنقلة الفنية والجغرافية التي قمتِ بها بعد انتقالك من المغرب إلى إسبانيا، وتأثرك بمدارس فنية مختلفة هناك، مع العلم أنك خريجة إحدى أهم أكاديميات تعلم الفنون في المغرب، وهو ما منحك أساساً أكاديمياً قوياً؟” قالت منية تويس:” قد يكون تأثير الأولى وهي المغرب أكاديمياً وهو ما لن أنساه أبداً، ولذا فمهما بدت أعمالي تجريدية إلا أن النظرة الأساسية لهذه الأعمال هي نظرة أكاديمية لا يمكني أن ألغيها، مهما يكن عملي اليوم واحتكاكي بالمواد والموضوعات المختلفة ومهما يكن تأثري بالحساسيات والفنانين والثقافات والحضارات واللغات. بالطبع كان الوضع في غرناطة أكاديمياً أيضاً فقد وجدت المنهج نفسه الذي درسته في المغرب، لكني حين ذهبت إلى برشلونة وجدت الأمور مختلفة قليلاً، إذ لم نكن نتعلم الرسم بل كنا نتعلم أن نرى، كنا نهتم بالتفاصيل بشكل أكبر، التفاصيل الحية وهي الأصعب وليس مجرد القياسات والأحجام التي تجعل الرسم يبدو كعملية حسابية أكثر من كونها فنية”.

من جهتها تعتبر منصورة عبد الأمير كمحاورة جيدة أن شغف منية تويس بالألوان واضح، يتجلى في استخدامها لطبقات هذه الألوان وتموجاتها، وفي الأشكال غير الواضحة التي تصنعها ألوانها”. فماذا تقول منية تويس عن هذا الشغف وعن فلسفة اللون لديها، وهو منظور بجلاء في لوحاتها.

كأي موضوع أدبي أو شعري، تقول منية، فإن الفن يُقرأ بشكل مختلف بحسب مستوى تفكير المتفرج وإحساسه. والفن مثل كلمات الأغاني التي قد لا تفهم معناها حين تأتي بلغة لا تتقنها لكنك تتذوق الموسيقى المصاحبة لها وكذلك اللحن.

أما عن الألوان فإن شفافيتها هي ما تركز عليه. حيث هي دائمة البحث فيها وعن بهائها الذي يشبه بهاء الضوء المتوسطي وهو الذي يختلف عن ضوء أميركا مثلاً. إنها تحب الألوان، وفي داخلها فيض منها، ومنذ أيام دراستها في برشلونة لاحظت هذا الفيض ووجدت الطبيعة تملي عليها وتجعلها غير قادرة على الفصل بين طبقات الألوان والشغف بمزجها. تحكي منية أنها سألت أستاذها في برشلونة عن ذلك فقال لها “الألوان بداخلك”. وفي الواقع فإنها في كل مرة ترسم تشعر بأن الفوضى اللونية بداخلها تنقص، وهي فوضى مركزة في الألوان، لكن هذه الفوضى يوازيها أساس أكاديمي قوي، يخلق لديها توازناً بصرياً في الرؤية وفي اختيار المواد التي تخرج الألوان من داخلها.
وكما هو معروف فإن “الفنانة منية تويس، تعيش ما بين إسبانيا والمغرب، وهي حاصلة على شهادة بكالوريوس الفنون الجميلة في الرسم من المعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان، وعلى شهادة الفنون الجميلة من جامعة غرناطة في إسبانيا، وشهادة أخرى في الفنون الجميلة والرسم من جامعة برشلونة بإسبانيا، كما حصلت على الدكتوراه وعلى الدبلوم العالي من الجامعة نفسها.
وعرضت تويس أعمالها في عدد من المعارض الشخصية أو الجماعية في دول عديدة من بينها البحرين، كولومبيا، مصر، فرنسا، ألمانيا، إيران، إيطاليا، المغرب، قطر، إسبانيا، سويسرا والإمارات العربية المتحدة. وحصلت تويس على عدد من الجوائز الفنية من إسبانيا وفرنسا والمغرب.