كنت أراها في البعيد.
في تلك الساحة البعيدة الغور. الساحة التي أستذكرها كلما مررت قدامها أو بالقرب منها. ساحة شاسعة ممتلئة بالبشر تربط بين الأرض والسماء، وبين القطط و الكلاب والعصافير والنوارس، وبين المقاهي والمطاعم، وبين الشمس والقمر!
كانت أدواتها فنجان أبيض وكرسي أصفر وكانت ترتدي قميصا أبيضا مفتوحا وكان شعرها أسودا طويلا يمشي فوقه الجن، شعر ساحر وثقيل!
لم تكن تفشي أسرارها لأحد، بل إن لا أحد من البشر والجن يعرف إسمها، كانت معروفة بقارئة الفنجان.
كانت هي بمفردها من يعرف الأسرار والخطوط والألوان والمستحيل، وكانت تقرأ الفناجين للفتيات والشابات للمتزوجات والمطلقات والرسامات والرسامين والفنانات والفنانين والحلاقات والحلاقين والأثرياء و الفقراء، والمارة وعابري السبيل، ولكنها لم تقرأ فنجانها لذاتها ولم ترى وجهها فيه.
وفي يوم من الأيام وقفت أتروى في ما تفعله لأعرف أعجوبتها وكيف تقرأ الفنجان الأبيض، الفنجان السحري الذي يجعل سربا من الجن يتجمع ويرقص ويفعل الأعاجيب، إلا أنها حدجتني بنظرة قاسية وكأنها ترفضني أو ترفض حضوري.
كانت معها امرأة في الخمسين من عمرها، جارتي فدوى البلهاء، شقراء الحي القديم التي رغبت في أن تقرأ لها ما يقوله الفنجان عن مآلها. عندما رأت ما في قاع الفنجان ارتعبت، وارتعشت، ثم قالت:
– يقول الفنجان إنك لن تتزوجي بعد طلاقك أبدا، وسوف تنتحرين، لكن الفنجان لايقول بأي أداة أو بأي شكل!
أمسكتها فدوى من شعرها الطويل الأسود المسود كالفحم وذبحتها بمدية كانت تخفيها… فسقط منه سرب من الجن وسمع الجميع أصواتا كالنعيق، ثم سقطت مغشيا عليها.
بعد ساعة تامة، جاء البوليس ثم تبعهتم سيارة الإسعاف. حملها المسعفون ونقلوها إلى المستشفى ميتة.
عندما حقق الضابط مع فدوى قالت إن سربا من الجن هو الذي أمرها بذبح قارئة الفنجان، ثم أطلقت ضحكة فاجرة وصل صداها إلى خارج نافذة مكتب الضابط!
■ اللوحة للفنان التشكيلي جابر غريب
Art Jabir Garib
