طفي دارته الواسعة جلس الوزير ياسر الخطابي إزاء مائدة مليئة بأشكال وألوان من الطعام.
كان وحيدا. الخدم في المطبخ والزوجة والأبناء سافروا إلى نيويورك.
فكر الوزير الذي استيقظ منزعجا من النوم في حلم غريب لم يعرف كيف يفسره؟! إذ لأول مرة في حياته التي تقلد فيها مهام متنوعة ومناصب مختلفة، يحلم بهذا الحلم الغريب.
أخذ تفاحة وشرع يترواها، لكنه لم يعضها بأسنانه ولم يأكلها. كانت التفاحة حمراء تلمع من فرط غسلها بالماء وتيبيسها.
وضع التفاحة الحمراء في صحن الطاووس الذهبي وفتح الجريدة. إنه عادة لايقرأ الجرائد، ولكنه عندما يكون في مكتبه اللامع، النظيف، المجهز على أحسن طراز، يقرأ عليه كاتب ديوانه في ثواني معدودة ملخصا للأخبار ويحدد له بعض اللقاءات ومواعيد حضوره في مجلس النواب، كما يخبره بما كتبه المكلفين بصفحته ب” فيسبوك” وهو أمر يهتم به كثيرا ويهمه إلى حد أقصى.
لم يكن الوزير يثق في أي أحد، وهذا أمر عادي بالنسبة إليه، فهو قد يبتسم أو قد يضحك، وقد يكون صارما و متعجرفا في بعض الأحيان، فالمنصب الوزاري الثقيل قد يجعل الإنسان الذي يصير وزيرا بعيدا، أو للتحديد، قد يجعله يحب نفسه أكثر فأكثر، ويحب أن يكون في الصف الأول، لكنه لن يتمكن من أن يكون في الصف الأول لأن هناك من هو أكثر منه مقاما وهو رئيس الوزراء الذي هو فعلا رئيس الحكومة. بيد أنه لايستطيع أن ينطق ببنت شفة إزاء رئيس الحكومة عبد العزيز الحياني أو أن يبدي رأيه في مسألة أو قضية إلا إذا طلب منه ذلك. كما أنه لايستطيع أن لايثق برئيس الحكومة.
احتار الوزير ياسر الخطابي في إيجاد طريقة لتفسير الحلم. ولم يشعر بالجوع ولا بالعاطفة ولا بالاذكار. وذلك أن الأمر معقد جدا. إن الوزير بسبب تعجرفه وتجربته لن يستطيع أن يروي الحلم الغريب لأحد، ولن يكون أحد قادر على تفسير الحلم وهو لم يرى مثله في حياته قط.
وبما أنه غير مرتاح وقلق، أرسل الوزير رئيس الخدم مصطفى العمراني في طلب بعض العلماء المفسرين.
بعد وقت… حضر الجميع… والجميع تنحصر الآن في ثلاثة علماء… جلسوا في الصالة الكبيرة الواسعة اللامعة النظيفة… أكلوا وشربوا… وانتظروا أن يروي لهم الوزير حكاية الحلم الغريب.
قال الوزير ياسر الخطابي:
– رأيت فيما يرى النائم أن امرأة حسناء سمينة وشبه عارية تنام على أريكة وتنظر إلي بشكل غامض. فما هو تفسيركم لهذا الحلم الغريب؟!
استغرب العلماء الثلاثة لذلك، واتفقوا على أن كل واحد يجيب حسب فهمه:
قال الأول:
– هذا فأل حسن. ستكون لك سيدي الوزير مزرعة كبيرة توجد بها أبقار وأغنام وماعز وخير كثير.
قال الوزير:
– كل هذا أملكه.
طلب بإخراجه من الدارة.
قال الثاني:
– المرأة الحسناء السمينة ليست سوى سيارة جديدة تركبها متى شئت وتنزل منها متى شئت. الله يمنحك الصحة!
قال الوزير:
– أخرجوا هذا الأبله، لا أريد أن أرى وجهه مرة أخرى.
أما الثالث، فقال:
– هنيئا، يا سيدي الوزير، قريبا ستصبح رئيس الحكومة. هذا هو فهمي وتفسيري للحلم الغريب الممكن.
أكرم الوزير العالم الثالث، وطلب منه أن يمكث في دارته لمدة أسبوع، لأنه العالم الوحيد الذي فهم معنى الحلم الغريب.
بعد مرور ثلاثة أشهر، وكان العالم الثالث قد ترك الدارة دون أن يشعر به أحد، أعلمه كاتب ديوان رئيس الحكومة في الهاتف النقال أن إسمه لم يقبل في التعديل الحكومي.
■ اللوحة للفنانة البولونية تمارا دي ليمبيكا
Artiste polonaise Tamara de Lempicka (1898-1980)
