تحت القائمة

قصة السبت .. أنهار

○ يوسف خليل السباعي

○ مأخوذة من حادث متنوع

١

تجمع عدد كبير من الناس على جسده الغارق في بركة من الدم.
وفي دهشة، قال محمود جار أنهار:
– من يكون؟
لا أحد عرفه أو تعرف عليه. فهو لما سقط من الشرفة العالية بالطابق الثالث سقط على رأسه فمات في الحال.
اتصل محمود بالشرطة الذين جاءوا على وجه السرعة هذه المرة بقيادة الضابط عبد الرؤوف وهو ضابط جديد في تفكيره اشتغل في المصلحة لمدة عشر سنوات، ليس مثل الضباط القدامى الذين كانوا يستنطقون المتهمين بالعنف لاستخراج المعلومات والأجوبة، بينما هو كان يستعمل أسلوب الحوار وهو أمر استعمله بذكاء حسي لأجل الحصول على ما يتوخاه بطريقة جديدة، إلا أنه كان يستدرج المتهمين للقول والاعتراف بعجلة.
في مرة من المرات، حاور متهما قتل زوجته الخائنة ولم يعترف في الأول، بقوله له:
– لاريب، أنك كنت تحبها. ولم تقتلها إلا لأنها خائنة، ولكن هل ترى أن الخيانة أعمت روحك ونزعت منها قشرة الحب.
لم يفهم المتهم القاتل واعترف للتو أنه كان يحبها وأنه قتلها لأنه يحبها. وفي مرة، استدرج زوجا قتل زوجته لأنها خانته، وكانت هذه الزوجة تخونه مع زوجها السابق الذي انفصلت عنه وأنها لم تخبره بأن لها بنت أنجبتها من هذا الزوج السابق، فأخذ البنت وذهب إلى سوبر ماركت وتركها هناك، ثم خرج، إلا أنه عرف بذكائه الحسي كيف يجعله يأتي ليسلم نفسه بالعثور على رقمه في هاتف زوجته الهالكة!
قال له:
– إن ابنتك لم تمت.
– كيف؟
– وجدوها هناك بعد سماع بكائها.
لم تكن بنته، ومع ذلك، حضر واعترف بكل شيء.
وفي هذه المرة، لم يفهم الضابط عبد الرؤوف شيئا، وجد نفسه أمام جسد وبركة دم وشرفة عالية في الطابق الثالث.

٢

كان حادث السقوط غامضا، وبدأ الضابط عبد الرؤوف يفكر… وينظر للأسفل، ثم للأعلى وكان يرتدي بدلة رمادية وربطة عنق بيضاء، وهو أمر ليس مفهوما، ولم تكن بدلته أنيقة ومثيرة مثل رئيس المنطقة عبد المجيد أو والي الأمن عبد الكبير… كانت عادية مثل أي واحد من الناس، ولعل تواضعه هو الذي كان ما يثير جماعة من الأسئلة والتساؤلات حوله.
لم يكن أحد بالمنزل عندما دخل إليه الضابط عبد الرؤوف وكانت الشمس تستغرق الشرفة وتغمر الصالون الذي وجد به جسد ياسر الغارق في بركة من الدم.
طلب الضابط عبد الرؤوف من الشرطيين أن لا يقترب أي أحد منهم حتى يأتي فريق الشرطة العلمية. في هذا الوقت كانت سيارة الإسعاف تنقل جسد الهالك إلى المستشفى الذي عرفوا إسمه من بطاقة التعريف الوطنية، وهو رضوان.
كانت المعلومة وصلت بسرعة إلى الضابط عبد الرؤوف على جناح يمامة، لكنه الآن يوجد حائرا أمام جسد في الأعلى وآخر في الأسفل دون أن يعرف شيئا.

٣

عندما وصل فريق الشرطة العلمية يتقدمهم علي، قاموا بواجبهم. نظر إليه علي، وقال له:
– سأقوم بواجب المهني، سأخبرك بالحقيقة، ويجب أن يطلع عليه رؤسائي.
غادر الضابط عبد الرؤوف مسرح الجريمة وهو يفكر في الواقعة، ومرت أمام عينيه كشريط سينمائي العديد من الجرائم ووجوه المجرمين والعصابات، والعديد من الحوادث والحادثات، التي عرفها وقرأ عنها وسمعها، وتذكر رأس زوج مقطوع خانته زوجته مع ابن أخيه الذي طعنه بسكين أكثر من عشرين طعنة ثم قطع رأسه ليفوز بجسد امرأة عمه! وتذكر أشياء يصعب الآن ذكرها أو الكتابة عنها.
كانت عيونه تنظر إلى الأعلى كما لو أنه يشاهد فيلما ثم إلى الأسفل كما لو أنه يشاهد مسلسلا.
وصل إلى مكتبه. أغلق الباب وبدأ يفكر في طريقة ذكية وفطنة يستدرج بها المجرم، فهو الآن أمام جسدين، ولايعرف من هو القاتل؟! هل تكون امرأة أم الشاب الهالك الذي سقط من الشرفة؟

٤

في اليوم التالي، كان الملف فوق طاولة مكتبه. وبعد فتحه تفتحت له باب السماء على الرغم من السحب التي تغلفها، وكانت الشمس تستغرق المكتب الهادئ.
في ظل هذا الصمت، وهذا الهدوء، حيث لم يعد للحيرة مكان، ولا للدهشة حضور أدرك الضابط رؤوف أن وراء هذه الجريمة امرأة خصوصا وأن هاتف رضوان كان السبيل السهل للوصول إليها. وكان إسمها أنهار.

٥

كانت أنهار امرأة شهوانية لأقصى حد، إلا أنها لا تبين ذلك، وكانت لها علاقات غرامية وجنسية في السابق، غير أن ما كان يعجبها في الرجل ليس عضلاته ولكن أن يكون يصغرها بسنوات قليلة، وأن تكون هي أكبر منه. تزوجت من ياسر… كانت حنونة ومشهية، ولذيذة في معاشرته، ولم يكن يظهر عليها أنها تخونه مع رجال أصغر منها، وهذا أمر حير الضابط عبد الرؤوف، الذي سألها عندما اعتقلت:
– ما هو سر اختيارك لرجال أصغر منك في السن؟
كانت تتمسك بالصمت وعدم الإجابة عن السؤال. كانت تكتفي بالصمت الثقيل والذي كان يتبين من ملامحها وخاصة من عيونها البراقة اللامعة كالشمس التي لايستطيع أحد النظر إليها كثيرا!
كانت أنهار مثل حصان أسود يضاجع أنثاه البيضاء معلنا صهيلا حادا. كانت تريد أن تكون هي الكبيرة والرجل هو الصغير منها لتركبه، لكنها كانت ذكية وحنونة. تعرفت على رضوان وظلت العلاقة الغرامية والجنسية بينهما لمدة سنة، ولم يعد قادرا على الصبر، كان يطلب منها أن يتزوجا، لكن أنهار كانت تقول له:
– اصبر، وسنرى!
كانت شهوتها فيه أكبر منها، ومن أي زواج؛ لكن رضوان لم يصبر وخطط لجريمة القتل!

٦

في اليوم الذي تقرر فيه وضع حد لحياة ياسر، وإطفاء نوره، وتقرر دفعة واحدة، كانت الشمس شديدة الحرارة. خرج رضوان من منزله… بعد أن تسلم المفتاح من أنهار. كانت أنهار تعرف جيدا يوم راحة ياسر من العمل. وكان يوم الأربعاء. ولم تكن أنهار في منزلها. كانت قد ذهبت لحضور عرس لصديقتها فاطمة التي تزوجت برجل يكبرها بعشرين سنة. كان العرس مهتاجا، غناء ورقص وشراب وأكل، ظلت أنهار ترقص ولم تتوقف عن الرقص، وفي الوقت الذي كانت ترقص فتح رضوان باب المنزل ودخل وهو يحمل حجرة كبيرة. ذهب صوب غرفة النوم، ثم ضرب ياسر الغارق في النوم بالحجرة على رأسه فسال الدم منه ثم جره من رجليه وأخرجه إلى الصالون وربطه بحبل غليظ وذهب إلى المطبخ وجاء بسكين وطعنة بأكثر من أربعة عشرة طعنة، ثم تركه غارقا في بركة من الدم ولم يخرج من الباب خوفا من أن يراه أحد. لما حاول رضوان أن يقفز ليهبط على عمود النور القريب من الشرفة العالية التوى رجله، وسقط…

٧

لم يعد لأنهار سوى ذكرياتها الغرامية والجنسية داخل السجن، فهي امرأة شهوانية لأقصى حد، وتحب أن يكون الرجل أصغر منها، وبقيت لمدة طويلة تنتظر أن تشرق الشمس، لكنها لم تكن تصل إلى أعماقها بل كانت تستغرق جسدها لا غير، الجسد الذي كان ينتظر بارتعاش!

■ اللوحة لأميديو موديغلياني