تحت القائمة

وجوه أدبية بتطوان .. د. حسن اليملاحي، قاص وناقد وباحث

■ يوسف خليل السباعي/ تطواني

لا يمكن بتاتا القبض على أجنحة حسن اليملاحي، فهو طائر حر. إنه يحط بالمغرب ( تطوان والقصر الكبير) ثم يرحل إلى إسبانيا (ومدنها).

لم ينشر حسن اليملاحي مثلنا كل قصصه القصيرة وقصصه القصيرة جدا، وهذا سر يحتفظ به لنفسه. وهو ليس غزير الإنتاج، لأنه ينشر بعد تفكير وتدقيق وحرص شديد على أن لا ينشر أي شيء.

القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا هواه، وشغفه، وعشقه الأبدي، هنا يجيد لعبته في السرد الأدبي، الذي هو اختصاصه. وهنا- أيضا- يأخذ ويعطي… ويفرض صورته كمبدع.

وبما أنه يشتغل على المتن السردي النسائي، الذي هو على دراية به، من خلال بحوثه ودراساته النقدية، فهو ناقد أدبي يدرك أبعاد النقد الأدبي وماهية تقنياته وآفاقه.

صدر ل د. حسن اليملاحي مجموعة من الكتب في القصة القصيرة منها ” جميلاتي الإسبانيات” والأبحاث، إلا أنني ارتأيت أن أشارك القراء بقصة قصيرة بعنوان” شرفة الفنان البوهيمي لويس” كتبها حسن اليملاحي:

 قصة قصيرة

شرفة الفنان البوهيمي لويس

من عادتي أن أمر كل يوم على مقهى لا تيناس بعد عودتي من كالديرس- القرية الصناعية التي أعمل بها – للالتقاء ببعض الأصدقاء والصديقات الذين يؤمون هذا الفضاء طلبا للراحة وتزجية الوقت.

لم أكن أحب هذا المكان، فقط كنت أمر عليه وأنا في الطريق إلى أسواق ليدل للتبضع. أعترف أن ما جذبني إلى هذا المكان، هو الأناقة و الانسجام القائم بيننا نحن الأصدقاء. كلما تذكرت هذه المقهى غير البعيدة عن طريق بك، إلا ووجدتني أفكر في الفنان التشكيلي لويس وأستاذة الفلسفة روسير وكذا موظف القطارات المحلية برنارت. مع هؤلاء الأعزاء، تمكنت من كسب صداقة فريدة دامت لسنوات طويلة ، لقد كانت مليئة بالتفاهم و والفرح والتضامن.

لم يكن لويس يفارق هذه المقهى الأبدية. وأنت تلجها ، تجده دوما يشغل الطاولة الأولى القريبة من الباب، يشغلها كي لا يجد أي صعوبة في مغادرتها، لأنها -المقهى- بحكم موقعها الجميل تشهد اكتظاظا مهولا خاصة في عطل نهاية الأسبوع. هذا الرجل كان يتبع نمط العيش البوهيمي، ولذلك فهو لا يهتم بملابسه ومظهره، فقط يطلق العنان للحيته الكثة والمجعدة و لتفكيره الحر، رافضا كل القيود التي قد تحد من حريته وتقف حجرة عثرة أمام تحقيقه لرغباته في مجالي الحياة والفن. تلك المرة، قمنا نحن أصدقاء لا تيناس بحضور فعاليات افتتاح معرضه التشكيلي الذي أقيم في غاليريا أرثور رامون برعاية من بنك سباديبل. لقد كان معرضا ناجحا نظرا لحجم الحضور الكبير ، وهو حضور يعكس ثقة الجمهور في أعمال هذا الفنان البوهيمي الذي تملأ لوحاته الفنية العديد من البنوك و بعض مطاعم برشلونة. ما راقني في لوحاته الرائعة والمذهلة، كونها تمزج بين العناصر الطبيعية مع استخدام الألوان الصامتة التي تنم عن الهدوء والطمأنية وتنتصر للحياة نكاية في الموت، الموت الرمزي للحياة والصداقات والحب. والطريف في الأمر، أنك تجد لويس – وهو يجلس بيننا في لا تيناس- لا يختلف عن لوحاته في شيء ، وهو الذي ينصهر مع عناصرها الطبيعية الآسرة، وهو ما يدفعني إلى الإيمان بأن شخصية لويس لوحة تشكيلية غريبة تعيش بيننا وتمشي على الأرض.

لقد حضرنا هذا العرس الفني استجابة لنداء الصداقة ولدعم هذا الصديق الذي سنفتقده بعد مرور شهر واحد على إقامة هذه الفعالية الفنية.كم كان الأمر مؤلما وجللا ونحن نتوصل بخبر نعيه من قبل جارته الآنسة إلواسا التي كانت – بين فينة وأخرى – ترتاد مقهى لا تيناس وهي في الطريق إلى عملها بوكالة عقارية قريبة. ولكي نكرم عزيزنا لويس، قررنا جميعا المشاركة في مراسيم جنازته التي حضرها العديد من فناني ومثقفي برشلونة إلى جانب أصدقاء وعائلة الراحل. وبعد صلاة الجنازة وقراءة البابا لعظة القداس، انطلق الموكب الجنائزي في اتجاه مقابر منتجويك حيث سيوارى جثمان لويس الثرى. لقد كانت جنازة مهيبة ومؤثرة ونحن نودع صديقا غاليا وعزيزا على الجميع.

وعلى الرغم من تغييب الموت لصديقنا لويس ، فقد ظلت روح هذا الأخير تطل علينا من لوحاته التي ازدانت بها فضاءات مقهى لاتيناس الذي بقي حزينا ويتيما بعد أن فقد هذا الزاهد. ولتجاوز هذا الفراغ الذي تركته وفاته لدينا، قررنا نحن الأصدقاء تسمية شرفة مقهى لا تيناس بشرفة الفنان البوهيمي لويس. ومما زاد من فرحنا، انتشار و شيوع هذا الإسم بين سكان برشلونة.》.