١
لا أحد يعرف من هي، حتى الكاتب؛ أنا سارد هذه القصة من يعرفها، ولكنني لا أريد أن أعرف بها وباسمها، لايمكنني في هذه المساحة القصيرة إلا أن أسرد لكم قصتها.
إنها امرأة ليست كأي امرأة. امرأة متفردة وفريدة، لا إسم لها؛ نعم، تحب، لكنها لاتحب رجلا، بل كلبا، وقد عرفته لي هكذا ووصفته لي هكذا…
لنبدأ.
كان مشغوفا بالصحف لايفعل شيئا سوى أنه يتتبع ماتنشره الصحف، لايقرأها، وإنما يشم أوراقها، ويلحسها بلسانه، ثم يبتلعها، وعلى الرغم من أنه لايعرف ماتنشره الصحف من أخبار ومقالات واستطلاعات وتحقيقات وحوارات وأعمدة، وكان يرى الصور ويظل يحدق فيها كما لو أنه يحدق في مرآة أو نهر، يرى وجهه فيهما ويكاد يقبض عليه، إلا أنه ينفلت منه كما تنفلت الحجرة داخل غور البحر.
وكنت قد استغربت أشد الاستغراب عندما قالت المرأة:
– أنت لاتعرف شيئا عن الكلاب ونزوعهم الصحفي، لايخافون من ما هو مكتوب ومنشور، ولكن يخافون من الترجيع الذي تتركه هذه المنشورات.
٢
كانت المرأة تتكئ على مرفقها ومعها كلبها الذي يحب الصحف، وكانت تتركه على حريته على الرغم من أنها تعرف بحق أنه يجهل القراءة، وكان ذلك لايخجلها، فهناك العديد من الكلاب لايقرأون ويحتلون مناصب عليا، أو ينجحونهم في الانتخابات بهذه الطريقة أوتلك، ومن هم من لايعرف حتى فك الحرف الواحد. وهذا أمر معروف في حدائق الحيوانات. ربما لم تسمعوا من قبل بأن للحيوانات انتخابات خاصة بها وهي انتخابات طبيعية، حيث الاستمتاع بالنظر إلى الكلب والحمار والثعلب والذئب والنمر والفيل والأسد، وكلهم يظهرون من وقت لآخر في الصحف والتلفاز!
٣
وذات صباح من الأصباح، استفاقت المرأة فلم تجد الكلب الذي كان بجانبها على السرير في غرفة النوم، وفكرت في الرجال الذي يخرجون ولايعودون، إلا أنها قالت في نفسها:
– لا يمكن لذلك الكلب النذل أن يفعل بي ذلك ويخرج أو يهرب دون إخباري بذلك.
وكانت المرأة التي لاتريد أن يعرف أحد إسمها قد انزعجت وغضبت من فعل الكلب الذي لحس جسمها الليلة كلها وكان يخرج لسانه الطويل كالفتاة الشقراء الحمقاء التي كان لسانها الطويل يجوب حينا القديم وعثر عليها أطفال الحي صباحا ميتة في زاوية منه ولسانها مقطوعا قدامها بفعل فاعل، وبقيت قضيتها مجهولة ولم يعرف أحد من فعل بها ذلك حتى اليوم.
٤
ذهبت المرأة إلى قسم الشرطة، وقدمت شكاية في حق الكلب مطالبة الشرطة بإعادته لها، بيد أن رجال الشرطة ضحكوا عليها وطلبوا منها إحضار صورة له. ومن حسن الحظ، أن المرأة كانت تحتفظ في حقيبة يدها بصورة له، فلما رأوها، قالو لها:
– سنقوم بواجبنا، ولو أن الأمر يتطلب الإذن من رئيس حديقة الحيوانات للدخول إليها والبحث عنه، ذلك لأن هذا الكلب لايشبه الكلاب الآخرين.
لم تفهم المرأة شيئا. خرجت من قسم الشرطة، وعادت حزينة وغاضبة في نفس الوقت لمنزلها. وما إن دخلت حتى ارتمى الكلب على عنقها وعضها ثم تركها غارقة في بركة من الدم، وخرج!
■ اللوحة للفنان التشكيلي يوسف الحداد
