عندما كان يقفل القيم على المقهى الباب بعد أن يكون الندل قد قاموا بجمع الكراسي وأطفئوا الضوء وغادروها كان أناس آخرون يدخلون إليها. لا أحد عرف من هؤلاء الناس.
هناك شريحة من الفنانين التشكيليين والروائيين والمثقفين المتغطرسين كانوا يقولون إنهم كانوا يدخلون إليها ليلا لمناقشة اللوحات الجديدة المخصصة للخيول واللحوم والوجوه وفناجين القهوة، وتصل موضوعات النقاش بالفنانين… إلى ضرب بعضهم البعض بالكراسي كما يحدث في برلمانات الشعب وفي المؤتمرات الحزبية، وكان دور الروائيين الذين لايشاركون في هذا النزاع هو تسجيل الأفكار، أما المثقفين فكانوا يضحكون وهم يضعون أيديهم في جيوبهم.
وقالت شريحة أخرى تتكون من المصورين الفوتوغرافيين والعطالين البطالين وكبار السن والعاملين بالقنصلية الإسبانية وبائعي السجائر وبعض المهاجرين والمحامين والأطباء ورجال السلطة المتقاعدين والسماسرة إنهم كانوا يدخلون إلى المقهى ليلا لاستحضار الأرواح واستنطاقها ومعرفة أسرار النجوم وغروب الشمس وضوئها الأصفر. كما أنهم لم يكتفوا بذلك بل كانوا يسألون الفنانين التشكيليين والروائيين والمثقفين عن أصوات الحشرات بالليل وعن حقيقة وجود كائنات غريبة في هذا الكون.
النساء لم يدخلن في الليل إلى مقهى الأشباح، ولكن يدخلن إليها في الصباح وأحيانا في المساء، ولا يثرثرن كما يفعل الرجال.
كانت الظلال السوداء تسمع وتسجل في آن معا كل ما يدور من أحاديث ونزاعات وعصابات وكانت تدون كل ذلك في دفتر كبير وهو الأمر الذي أدهش أشباح المقهى الذين لايزالون حتى اليوم يبحثون عن مستودع الدفتر الكبير.
● اللوحة للفنان التشكيلي يوسف الحداد
