تحت القائمة

هل باتت الداعشية تهيمن على مقاهي بتطوان ؟

تطواني

العنوان ليس خبرا لتفكيك خلية إرهابية تنشط بمقاهي تطوان، وقد يحدث يوما، فلا ندري ما تخبؤه الأيام وترصدات المكتب المركزي للأبحاث القضائية. داعش ليس مجرد تنظيم إرهابي مسلح ينشط بالعراق وسوريا والصومال والساحل الإفريقي وأينما وجدت النزاعات الطائفية وانعدام الدولة. داعش فكرة والفكرة كما يقال ” لا تموت “. قد تنغرس في عقول جماعات وأفراد، كما هو الحال عند بعض النوادل في مقاهي بتطوان، ليس التطرف أن تحمل لحية كبيرة في الوجه ولباسا أفغانيا وسبحة في اليد اليمنى وتشرع في توزيع الجنة والنار يمينا ويسارا. يكفي أن تمارس الوصاية على خصوصيات الناس وتكشر في وجههم بوجه عبوس كأنه خارج من رحم شجرة الزقوم، وتحدد مدى تصرفاتهم داخل المقهى والحدود الشرعية لحدثيهم وهمساتهم.

يصعب على زوجين أو حبيبين أن يتصفاحا داخل بعض مقاهي وسط المدينة وفي قلبها النابض، يمنع الهمس في الأذن للبوح بسر حب أو عشق متبادل، يكون من المحرمات لمس اليد أو وضعها على الكتف حتى تتحرك عيون النوادل وكأنها كاميرات بدرجات عالية من الدقة تبدأ في تتبع حركات المقصودين من المراقبة، وقد تدفع الوصاية ” الداعشية ” إلى حدود التدخل في خصوصيات الأفراد ومطالبتهم باحترام الأخلاق العامة بينما قد يكون في تلك الساعة على جهاز التلفاز فيلما سينمائيا لممثلات عاريات وقبل متبادلة في استوديوهات هولييد الكافرة. وربما شخص آخر في زاوية منغلقة يتابع على منصات التواصل والانترنيت لأفلام إباحية ولقطات مثيرة وهو نفسه أيضا يمارس وصاية الأخلاق على الآخرين من باب الغيرة على الدين وحرمات الأمكنة.

في بعض مقاهي تطوان، أصبح قلة من النوادل يتعاملون باحترام مع الزبناء ويوفرون طلباتهم بكل أدب مرغوب فيه كما تتطلبه هذه المهنة الشريفة بالذات. ليس بالضرورة أن تحمل المقهى اسم عاصمة الجمال والعطور بأوروبا ليكون النادل يحمل أيضا نفس القيم والجمال اللغوي واللفظي مع زبنائه، فقط يكفي أن يحمل صينية بيده ليمارس شتى أنواع الترهيب وقلة الذوق والتلفظ بعبارات مبهمة وبالهمهمة ليجبر الزبناء على عدم العودة والقسم بحرام المكان عليهم مرة أخرى.

تطوان التي تقال أنها مدينة الحضارة والتعايش بين الأديان، اختلط فيها المسلمون بالنصارى واليهود ورويت حكايات جميلة عن صداقات وعلاقات اجتماعية جمعت الديانات الثلاثة، باتت اليوم تحت رحمة فكر القاعدة وداعش، بعد أن غزت قنوات الوهابية البيوت والمحلات التجارية والمطاعم والمقاهي، وأصبحت التجارة في الملابس الداخلية للنساء عند الدواعش حلالا ولباس التنورة والجنيز الضيق للفتيات حراما، والبارات محدودة وممنوعة رخصها، بينما نتحسر على ضياع هيبة المدينة سياحيا أمام طنجة ومراكش وفاس ومدن أخرى.

أين سيجد السائح الغربي ضالته في تناول ما يريد من جعة ونبيذ مع الطعام كعادتهم، والترويح عن نفسه ليلا، وفنادق تطوان أصبحت توفر فقط المبيت والمأكل ومشاهدة التلفاز، وكأنها زوايا لنشر العقيدة، أو ملاجأ خيرية. الفكر الداعشي الذي طغى حتى على البيوت بات يدفع بعض السكان لتقديم العرائض ضد فتح بارات وسط الفنادق أو مستقلة وحتى الاحتفال برأس سنة النصارى صار محرما شرعا وقانونا وبقوة تفكير وتكفير قنوات إقرأ والرحمة التي غزت عقول التطوانيين بدون رحمة.

المجتمع المدني الذي ينتقد المسؤولين لأن السياحة لا توفر الشغل ومداخيل قارة تنعش المدينة وتجارتها، عليهم انتقاد أنفسهم لأنهم سمحوا للفكر المتطرف بغزو المدينة والعشعشة فيه، وقد يكون التماهي معه خوفا من التكفير والاتهام بالانحلال الأخلاقي والحرمان من الجنة التي باتت تحت تصرف الدواعش واحدة من الاختلالات والجبن السائد عند المجتمع المدني. نحن أمام خيارين لا ثالث لهما، إما التشدد والتطرف والعودة لحياة البدو والرحل ورعي الإبل ولباس الأفغان وعاداتهم، أو إحياء التعايش المبني على الاختلاف في العادات والثقافات الذي تميزت به تطوان زمن الحماية ويا حسرتاااااااه.