تحت القائمة

نظرة جديدة حول “نساء البيت الخلفي” للروائي عبد الجليل الوزاني

يوسف خليل السباعي/ تطواني

إذا كان أمبرتو إيكو يقول إن الرواية آلة مولدة للتأويلات، فإن هذه التأويلات لاينبغي أن يكون مبالغا فيها. إن الروائي لايكتب روايته من فراغ، وإنما من فكرة أو حادث متنوع أو حدث أو صورة ( رواية ” إسم الوردة” لأمبرتو إيكو، على سبيل المثال، ولدت من صورة تسمم راهب). إن كل البناء سينطلق من هذه الصورة. هكذا خلق أو أنتج أمبرتو أيكو عالمه الروائي.

إن من يقرأ أي رواية عليه أن يستحضر هذا الأمر الخفي، ومن لا يعرف كيف يقرأ ليستمتع بالرواية. والرواية هي ذاتها مفتوحة على التأويلات.

من قرأ رواية ” الأبواب السبعة، القمر المحجوب”، لا أتحدث عن قراءتي يوسف الفهري وخالد البقالي القاسمي، وإنما قراءة أخرى اعتبرت أن سارة أخت يوشع هي الشخصية المحورية والرئيسية في الرواية. إن سارة هي رافضة لتصرفات بنيامين ومساندة ليوشع الذي لانعرف هل انتحر أم قتل؟ إن فكرة الرواية جاءت من انتحار يهودي في تطوان في الثمانينيات، إلا أن شخصية بنيامين تحرك كل شيء، لكن شخصية القائم بالسرد هي ما يبنى عليها المسرود والشخصيات. هكذا تغدو رواية مغرقة في اللالتباس، ولكنها تجعل الأسئلة تترى. من فعل ذلك؟ ماذا حدث وماذا سيحدث؟ إن ما يحدد كثافة هذه الرواية هو المكان، والتحوير، من خلال جعل الحادث الحقيقي الذي هو الانتحار سؤالا عن الفاعل: إن هناك حالة انتحار وجرائم قتل ولكن الفاعل أو القاتل غير مدان، إما إنه مستتر عنه أو محمي أو هارب.

إن كل قراءة للرواية لاينبغي أن تتعمق فقط، بل أن تعبر، وفي هذا العبور تتكشف الدلالة، بيد أن التأويل ليس في نهاية المطاف سوى تأويل.

في رواية” نساء البيت الخلفي” للروائي عبد الجليل الوزاني التهامي هي من أكثر الروايات التي استعملت تعدد الأصوات والحوارية، والمروي له، فالقائم بالسرد هو لا يعرف كل شيء، إنه يتحول إلى مروي له، هكذا يغدو هذا القائم بالسرد غير قادر على التحكم في الشخصيات، لكنه يقوم بالبناء، أي بناء عالم من المرويات، ومن الإذكار، والتلصص والتحوير والتحويل. ذلك أن الماضي يعود في الرواية من خلال الطبقات والأغراض والأشياء عبر حكاية جوهرية لزهور، وحكايات صغرى لشخصيات محصورة في دائرتها.

إن الرواية تبدأ من النهاية ( علامة آلة الحفر). فالدارة التي تهدم ليحل محلها بناء آخر، تندثر، إلا أن ما يرمز لها هو الرباب. إن الآلة الموسيقية ليست إلا غرض الماضي المعطوب الذي يصلح ويتحسن بحثا عن النغمة الأخيرة.

إن رواية ” نساء البيت الخلفي” لاتنتهي إلا بالأمل: الرباب هو الأمل، هو ما يحرك المياه الراكضة، وذلك ما يجعل ما يصلح ويتحسن يصمد في وجه الزمن، لأن الزمن ليس ثابتا، بل هو متحرك.

إن عمق هذه الرواية في الأمل، وكل التفصيلات تصب في هذا المنحى، أي كيف نجعل من الماضي المحزن بكل عذاباته وحلاواته أثرا، ولكن دون أن ننسى الوعي بالحاضر والتطلع إلى المستقبل.

إنها رواية كتبت بدم القلب بمعنى الحركة والرغبة استحضارا لماعاش ويعيش معنا كصور وليس كحقيقة، لأن ما نراه حقيقة ليس إلا شبحا أو طيفا، إنه يتبخر في الحاضر ولايتبقى سوى كإذكار وعلامة على أن الآتي هو المجهول. إن عبد الجليل الوزاني التهامي روائي له دراية بتقنية الكتابة الروائية لايجعل من المجهول” غودو” صمويل بيكيت، أن يأتي أو لايأتي، لاوجود لاضطراب ولا عبث، ولا صمت، وليس كذلك مالانعرفه ومالانراه، وإنما المختلف، أي ذلك العازف العاشق للآلة، للنغمة، وللرواية.