تحت القائمة

قصة قصيرة .. أين كتبه ؟

يوسف خليل السباعي

هذا المساء لم أكن أعلم أنني سأعثر على ملف أزرق قديم كان مركونا مع كتب قديمة كنت قد ابتعتها من مكتبة الأقواس ومن بين تلك الكتب كان هناك كتاب حمار المسيح الذي قرأته في فصل الخريف الماضي.
كان الملف الأزرق محصورا كغريق تحته.
انتزعته بقوة فسقط من يدي اليمنى على الأرض كدت أن أتركه هناك لكنني تراجعت وانحنيت وأمسكت به ثم فتحته.
لم أكن أتوقع أن أجد فيه ورقة صفراء وصورة قديمة باهتة
كانت صورة رجل فقير لم أعرفه في بادئ الأمر لكنني عندما قرأت الورقة عرفته.

كان مكتوبا في الورقة الصفراء:

رجل نحيل بلحية كغابة نفضتها العاصفة يمشي بعصا على تراب لا يعرف اسمه
العابرون يظنونه شحاذا
لكن الريح تعرفه
والشمس تمهد خطاه
ليو تولستوي الذي كتب الحرب ثم خلع سيف المجد وكتب السلام على ظهر الحياة
باع القصر وباع الرغيف وباع أناقته ليشتري خيمة لفقراء العالم
حافيا مشى لا ليدخل الجنة بل ليقترب من الإنسان
في عزلته الأخيرة لم يبق له شيء
إلا عصاه وظله الطويل
وظن الناس أنه سقط
لكن كتبه كانت قد دخلت البيوت
وصارت في أصوات المظلومين
وفي دمعة سالت دون أن تمسح
وفي يد أمسكت لا لتقبل بل لترفع
أين كتبه؟
سأل شاب وهو يمر قرب جسده المنحني
فأجابه الخريف
فيكم.

كان فصل الخريف قد أوشك على الرحيل ليفسح مجاله لفصل الشتاء وكان قلبي ينزف دما وعيوني تسيل دمعا وكان الدمع أزرق مثل لون السماء أو لون الدواة.
أعدت الملف الأزرق إلى مكانه وفتحت النافذة على الشارع الطويل ثم فكرت في كتابة قصة قصيرة عن ليو تولستوي.