تحت القائمة

لماذا لم نحقق ذواتنا ثقافيا في المغرب؟

✍️ يوسف خليل السباعي

إنه سؤال صعب، لكنه يستوجب تناولا مزدوجا: سوسيولوجيا وتاريخيا.

من جهة، لأن السوسيولوجيا تعنى بفهم الرأسمال الرمزي والثقافي داخل المجتمع، أي كيف تمارس الشرائح الثقافية أدوارها في الحقل الثقافي، وكيف تنتج الرموز والمعاني والقيم. كما تمنحنا هذا العلم أداة لفهم الأشكال والظواهر الثقافية في المجتمع: من يمارسها؟ كيف؟ وعلى أي مستوى من المعرفة؟

غير أن الدراسات السوسيولوجية في المغرب قليلة، ولم ترقَ بعد إلى مستوى الدراسات الغربية، لأننا ببساطة لا نمنح للعلم والمعرفة والثقافة ما تستحقه من قيمة، إلا في حدود ضيقة وموسمية.
الوسط الثقافي المغربي، في عمومه، وسط مركب، لكنه أيضا ناقص ومهمش وغير دقيق. من يطمح للسيطرة عليه، يجد نفسه أمام حقل شاسع، لكنه غامض وغير مؤسس بشكل علمي. الدراسات السوسيولوجية وحدها هي الكفيلة بكشف خباياه وإضاءة زواياه المظلمة، وتفكيك البنية الثقافية المغربية على نحو منهجي.

أما من الناحية التاريخية، فالوضع لا يقل هشاشة. لم نستطع إلى اليوم بناء سردية دقيقة وحقيقية عن تاريخنا الثقافي. ما كتب في هذا المجال إما ينزع نحو التوثيق السطحي، أو يركض خلف وقائع متفرقة وسرديات هاربة. ما نعرفه عن هذا التاريخ مبعثر بين صفحات الصحف، وكتب متفرقة، وذكريات شارفت على النسيان.

بعض المؤسسات تتوهم أنها قادرة على “النهوض بالثقافة”، لكنها تفعل ذلك وفق تصور ضيق، يفضي في الغالب إلى تنميط الثقافة واستثمارها اقتصاديا، وعرضها في “الڤترينة”، دون النفاذ إلى جوهرها. لكنها، عند أول ممارسة، تغدو مكشوفة ومفرغة من المعنى.

حين نحصر الثقافة في جزئيات منعزلة، نكون قد قتلناها. فالثقافة ليست أجزاء، بل كل حيّ لا ينتهي. هي شكل من أشكال الحضارة في عالم صار محكوما بمنطق الرقميات، ومنطق السيطرة، ونفوذ الاقتصاد السياسي، والوحشية المالية المؤسسية التي تلتهم كل شيء.

فهل يمكننا اليوم أن نعيد تعريف ثقافتنا؟ أن ننتقل من مفهوم السيطرة، إلى مفهوم الاختلاف والحرية؟
لأن الثقافة، ببساطة، لا تحيا إلا في كنف الحرية.