تحت القائمة

إِذا ضَربتَ فَأوجِعْ .. الكلمة الحقيقية تفضح صفحات الوهم

✍️عماد بنهميج / تطواني

المثل العربي القديم يقول: ” إذا ضربت فأوجع”، وهو لا يخص العنف الجسدي، بل يخص قوة الكلمة وصدقيتها. فالضربة الحقيقية ليست تلك التي تمر مرور الكرام، بل التي تصيب مكمن العطب، تهز الأركان، وتفضح المستور. وما أشد وقعها عندما تواجه من اعتادوا على التملّق وتلميع الإفلاس!

المقال السابق ” صفحات فايسبوك بتطوان .. جوقات افتراضية تعزف لحن التقديس على جثث الماضي ” كان ضربة من هذا النوع. لم يكتف باللمحات أو المراوغات، بل قال الحقيقة بصوت مرتفع. قصدنا فيه إحدى الصفحات ولم نقصد الكل، فهناك صفحات تهتم بشؤون وأخبار المغرب التطواني جادة هادفة بمستوى راقي ونقاش هادئ. بعض الصفحات الفايسبوكية، التي تدعي أنها منابر رياضية، ليست سوى أبواق للتمجيد وإعادة تدوير وجوه غارقة في الإفلاس، وصناعة أساطير وهمية من الماضي المعيب.

ولم تكد بعض الصفحات تتحمل صدى الحقيقة، حتى انفجرت في سب وقذف بلا توقف. انقضت على المقال، وصارت التعليقات ساحات صراع عشوائية بين الشتائم والتهديدات، فيما الحقيقة ثابتة، هادئة، غير مبالية بكل هذا الضجيج. كل صرخة، وكل شتيمة، كانت اعترافا ضمنيا بأن الضربة أصابت الهدف.

لننظر إليها بموضوعية. صفحات اعتادت على التطبيل، وإخفاء الأخطاء تحت أطنان من المديح الزائف، وجدت نفسها فجأة في مواجهة مرآة تعكس هشاشتها. فالذين ألهتهم النوستالجيا الرخيصة وأصبحوا مدمنين على تمجيد وجوه غارقة في الفشل، لم يجدوا أمامهم إلا الصمت الحاد للمقال، فاختاروا القذف والتشويش.

هذه الصفحات لا تمثل التدوين الرياضي ولا النقد المسؤول. إنها أبواق فارغة، كشك انتهازي، يبيع الوهم كما تباع الدمى البلاستيكية في الأسواق الشعبية خلال عيد عاشوراء. لامعة من الخارج، فارغة من الداخل، لا تتحمل المواجهة، ومن يجرؤ على مواجهتهم يواجه قطيعا من ذبابهم الإلكتروني، يتقاتل في التعليقات بينما الحقيقة أمامهم صامتة، قوية، لا تقهر.

والمفارقة أن بعض الصفحات نفسها التي تفتخر بمتابعيها، تتصرف كما لو أن السب والشتائم دفاع مشروع، بينما في الحقيقة كل كلمة نقدية موجعة تظهر حجم فراغها، وتفضحها أكثر من أي مقال يمكن أن يكتبه ناقد. لقد صدق المثل الذي ذكرناه. فالضربة هنا لم توجع جسدا، بل أوجعت أوهام المدعين.

وحتى نكون أكثر وضوحا. بعض الصفحات التي ردت بالسب كان من الطبيعي أن تخرج عن طوعها، فهي تعتمد على الولاء العاطفي للوجوه القديمة، وعلى المديح المستمر كغطاء لخسائر الماضي. أما عندما وضعت أمام الحقيقة، لم ترد بالحجة المضادة بل بالسب والقذف، لأن الصمت كان سيكشف حجم زيفهم أمام الجميع.

ولذلك، فالكلمة الحرة، الصادقة والقوية، هي الضربة الحقيقية. كل صرخة منهم، وكل سب مبالغ فيه، يثبت أننا أصبنا الهدف. الضربة التي توجعهم هي الكلمة التي تكشف أقنعتهم، التي تعري أصنامهم، وتضع الجمهور أمام مرآة الحقيقة. فالوجع اليوم هو وجع الحقيقة، ووجع الوعي الذي ينهض ضد التزييف، ويستعيد الحقائق من بين أنياب التطبيل والزيف.

ومن حقنا اللجوء للقضاء ضد السب والشتم وتشويه الذمة، طلبا للحق والإنصاف، وحماية للسمعة والحقوق الشخصية والمدنية. فحرية الرأي والتعبير لا تجيز لأي صفحة أو فرد أن يتحايل على القانون تحت ستار التفاعل الافتراضي، فالقانون موجود ليضع حدا للتجاوزات، ويؤكد أن الكلمة الصادقة التي تصيب الهدف ليست جريمة، بينما السب والقذف وتشويه السمعة هي مسؤولية قانونية لا محيد عنها.

إن المغرب التطواني لن يقوم على نوستالجيا رخيصة، ولا على تمجيد بلا عقل، بل على مشروع حي، وقيادة صادقة، ووعي جماهيري يدرك الفرق بين الوهم والحقيقة. وكل صفحة حاولت الهروب من الحقيقة بالسب والشتائم، هي برهان حي على قوة الكلمة الموجعة، وعلى أن النقد الحقيقي، مهما كان قاسيا، هو طريق التغيير الوحيد.