تحت القائمة

نبيل عيوش.. حين يصبح “الانتهاك” لغة للبوح السينمائي

يوسف خليل السباعي/ تطواني

ما يثير الدهشة في اللقاء مع المخرج نبيل عيوش، الذي أطره الناقد السينمائي سعيد مزواري مساء الاثنين بالقاعة الصغرى للمركز الثقافي بتطوان، على هامش فعاليات مهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط، هو تلك الجرأة التي تطبع حضوره، كما تطبع أفلامه، وصراحته التي لا تخلو من مواجهة مباشرة مع الذات والمجتمع.

أكد عيوش خلال اللقاء أن أفلامه السبعة، من “علي زاوا” إلى “في حب تودا”، ترتكز جميعها على ما يسميه بـ “الانتهاك”، دون أن يوضح المقصود به صراحة. غير أن هذا المفهوم، كما يمكن استشفافه من مجمل تجربته السينمائية، يحمل دلالة التمرد والانزياح ومحاولة تفكيك البنى الاجتماعية انطلاقاً من رؤية ذاتية تتقاطع فيها التجربة الفردية مع الوعي الجمعي.

ينظر نبيل عيوش إلى السينما من الداخل، من ذاته هو، لا من زاوية نظر الآخرين. فهي بالنسبة إليه مرآة للاوعي، تنبع مما يراه ويسمعه ويُروى له، بل مما يعيشه شخصياً. يحاول تحويل كل ذلك إلى لغة سينمائية خاصة عبر السيناريو والإخراج، باستخدام أدوات وتقنيات تتجاوز السرد الكلاسيكي، بحثاً عن تعبير أكثر صدقاً وحرية.

يقول عيوش إنه يبني شخصياته انطلاقاً من الحكاية، لكن ليس وفق الأسلوب التقليدي، بل من خلال تقطيع بصري وزمني مختلف يمنح الصورة طابعها الخاص. فـ”الأجساد السينمائية” – كما يصفها – هي ما يحرك كل شيء في أفلامه، إذ يصبح الجسد منبع الحركات والرغبات والأحلام، بل اللغة التي تنطق بالصمت وتفصح عما تخفيه الكلمات.

لم يبد عيوش خلال اللقاء أي رغبة في تأويل أفلامه، بل تحدث عنها كما لو كانت محطات عابرة في مساره الإبداعي، تعكس ذاته وحضوره وغيابه في آن. أفلامه مرآة بصرية وسمعية يتمظهر فيها الانتهاك والصرخة والخوف، وتتجلى من خلالها أشكال التهميش والنبذ والإقصاء، وكل ما يُمارس على الجسد من قهر واغتصاب واستبداد. ومع ذلك، وسط هذا الظلام، تلوح خيوط من نور تصنع الأمل بين البكاء والضحك، كما في فيلمه “في حب تودا” أو “الجميع يحب تودا”.

لكن، أي حب هذا الذي يتحدث عنه عيوش؟. حتى الحب في عالمه السينمائي يتحول ويتشوه، إذ يغدو حبا مزيفا يعكس هشاشة العلاقات الإنسانية وارتباكها داخل منظومة اجتماعية مأزومة.

إن التماثلية، والزيف، والانتهاك هي الثالوث الذي تقوم عليه سينما نبيل عيوش، حيث لا تتجلى الحقيقة إلا عبر الخطأ، ذلك الخطأ الذي يعكس خللا متجذراً في المجتمع المغربي، ومتأصلاً في الذاكرة والجسد معا.

استعاد عيوش، المكرم في الدورة الثلاثين لمهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط، ذكريات مشاركته الأولى سنة 1995، حين عرض أفلامه القصيرة، مذكّراً بأنه كتب السيناريو الأول لفيلمه الطويل “مكتوب” في غرفة الفندق آنذاك.

فهل قال نبيل عيوش كلمته الأخيرة؟. لا أعتقد ذلك، لأن لا أحد يقول كلمته الأخيرة في السينما… ولا في الحياة.