قراءة في عروض مسابقة الأفلام الطويلة بمهرجان تطوان السينمائي
يوسف خليل السباعي / تطواني
في دورة 2025 من مهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط (من 25 أكتوبر إلى 1 نونبر)، تتحوّل مسابقة الأفلام الطويلة إلى مختبرٍ بصريّ تتقاطع فيه الذاكرة والهوية والحرية.
عشرة أفلام، وثائقية وروائية، تتنافس على الجوائز، لكنها تشترك في سؤالٍ جوهري: كيف تُعيد السينما التفكير في الإنسان وتجعله يتأمل ذاته والعالم من حوله؟
يفتتح فيلم «موسيقى تصويرية لانقلاب» للمخرج جوهان كريمونبري هذه الرحلة التأملية بعودةٍ إلى استقلال الكونغو عام 1961. يستخدم المخرج موسيقى الجاز كذاكرةٍ مقاومة، وصوتٍ للحرية المقهورة، ليحوّل الإيقاع إلى شهادةٍ على الألم ووسيلةٍ للتحرّر.
أما فيلم «ثدييّة» للإسبانية ليليانا طريس، فيغوص في وعي الجسد الأنثوي عبر قصة لولا، امرأة تواجه حملًا غير متوقَّع وصراعًا بين ذاتها الفردية والقيود الاجتماعية. الجسد في هذا العمل يتحوّل إلى نصٍّ بصريّ يعكس صراع الرغبة والخوف، والحرية والقدر.
وفي الفيلم التركي «فكرة» لطيفون بير سيليموغلو، نتابع حارسًا يجد نفسه في متاهةٍ وجودية بعد اكتشافه كتابًا غامضًا. تتحول «الفكرة» إلى سلطةٍ تبتلع الهوية، حيث تصنع المعرفة واقعًا بديلًا وتترك الإنسان عالقًا بين الحقيقة والتأويل.
أما الفيلم الفرنسي «المملكة» لجوليان كولونا، فيقدّم دراما إنسانية عن أبٍ وابنته في رحلةٍ محفوفة بالعنف والحنان، تكشف هشاشة الروابط العائلية وسط عالمٍ قاسٍ لا يرحم.
وفي «لعبة منزلية» للتركي أوميت أونال، يصبح فندق مطلّ على بحر إيجة مسرحًا لأربع شخصيات تتقاذفها لعبة الأقنعة والعلاقات الزائفة. هنا تتحوّل الحياة اليومية إلى مسرحٍ رمزيٍّ للتمثيل والتكرار، حيث يفقد الإنسان ذاته حين يعيش وفق ما يريده الآخرون.
أما الوثائقي الإسباني «غيتار راي كورتيس الفلامنكو» لأنطون ألفاريز، فيحتفي بالموسيقى كذاكرةٍ جمعيةٍ تحفظ هوية الأندلس. الفلامنكو ليس فنًّا فقط، بل طقسُ انتماءٍ وصوتُ أجيالٍ تتوارث الألم والفرح، لتصبح الموسيقى جسرًا بين الماضي والحاضر.
بهذه التعددية الجمالية، يرسّخ مهرجان تطوان مكانته كفضاءٍ للحوار بين ضفّتي المتوسط، حيث تتحوّل السينما إلى وسيلةٍ لفهم الذات والآخر، ونافذةٍ على عالمٍ تتنازع فيه الذاكرة والرغبة والحرية.
