تحت القائمة

أكياس ممنوعة ووحدات سرية .. من يغذي سوق البلاستيك المحظور في تطوان

عماد بنهميج / تطواني

لم يعد خبر مداهمة وحدات سرية لصناعة البلاستيك ومحلات للتوزيع في مدن مثل مرتيل وبتطوان ونواحيها حدثا استثنائيا، بل أصبح ظاهرة تتكرر بشكل مثير للانتباه وتطرح علامات استفهام كبرى حول فعالية القوانين، ومسار تنفيذ القرار الحكومي بمنع تداول الأكياس البلاستيكية، الذي جاء سنة 2016 متزامنا مع مؤتمر “كوب 22” بمراكش، حين تعهد المغرب أمام المجتمع الدولي بالحد من التلوث وتحقيق انتقال بيئي مستدام.

في آخر هذه العمليات، تمكنت مصالح الجمارك بمدينة مرتيل، وبتنسيق مع السلطات المحلية والأمنية، من حجز أكثر من خمسة أطنان من المواد البلاستيكية داخل محل يشتبه في تخزينه لمواد مخالفة للقانون. وفي عملية أخرى غير بعيدة زمنيا ومكانيا، داهمت عناصر الدرك الملكي بأزلا عدة وحدات سرية لتدوير البلاستيك وتصنيع الأكياس، حيث حجزت أطنانا من المنتجات والمواد الخام، فضلا عن معدات متطورة تستعمل في عملية التصنيع.

هذه الوقائع تفتح الباب أمام سؤال جوهري حول مصدر الأكياس البلاستيكية التي ما تزال متداولة بكثرة في الأسواق والمتاجر والمخابز بإقليم تطوان؛ ففي الوقت الذي يمنع فيه تصنيع هذه المواد وتسويقها رسميا منذ قرابة عقد، ما يزال المواطن التطواني يتسوق يوميا بأكياس بلاستيكية بيضاء وأخرى ملونة وشفافة، توزع بحرية في محلات البقالة والجزارة وأسواق الخضر. هذا الواقع يشير بوضوح إلى وجود شبكات ووحدات سرية بتطوان ونواحيها، تتولى إنتاج هذه الأكياس بعيدا عن أعين السلطات، وتغذي السوق المحلية بمنتجات غير مراقبة لا من حيث الجودة ولا من حيث المعايير الصحية.

قرار منع الأكياس البلاستيكية جاء ضمن التزام المغرب الدولي بخفض التلوث البحري والبري، وتشجيع البدائل الصديقة للبيئة، كالأكياس الورقية أو القماشية. لكن واقع الحال يكشف أن الطلب الشعبي على الأكياس البلاستيكية لم يتراجع بالشكل المطلوب، نظرا لعدة عوامل تتلخص في غياب البدائل الرخيصة والعملية في الأسواق المحلية وتكلفة الإنتاج المرتفعة للبدائل البيئية مقارنة بالبلاستيك وضعف المراقبة المستمرة للمستودعات السرية وخطوط الإنتاج غير المرخصة.

وراء هذه الظاهرة يطفو سؤال آخر لا يقل أهمية. من أين تأتي المواد والحبيبات البلاستيكية التي تغذي سلسلة الإنتاج؟
فالحبيبات المستعملة في تصنيع الأكياس ليست منتجا محليا بسيطا، بل هي مواد بتروكيماوية مستوردة عادة من الخارج، وتستخدم في الصناعات الرسمية المرخصة. غير أن التقارير الميدانية وعمليات الحجز الأخيرة تشير إلى وجود قنوات موازية لتوريد هذه المواد بشكل غير قانوني.

وتكشف مصادر خاصة، أن شبكات منظمة من الموردين المحليين والسماسرة تشرف على توزيع هذه المواد الخام على معامل غير مرخصة، خاصة في مناطق الشمال كتطوان وأزلا، مستفيدة من ضعف المراقبة ومن الإقبال المتزايد على البلاستيك منخفض الكلفة. وغالبا ما تكون هذه الحبيبات مستخرجة من مخلفات بلاستيكية معاد تدويرها بطرق بدائية، تحتوي على شوائب ومواد كيميائية ملوثة قد تتسرب إلى المواد الغذائية عند ملامستها، خاصة مع اللحوم والأسماك والدجاج.

إن غياب تتبع دقيق لمصدر هذه المواد الأولية يهدد ليس فقط الاقتصاد المحلي، بل السلامة الصحية للمواطنين والبيئة على حد سواء، ويجعل من محاربة الأكياس البلاستيكية معركة ناقصة ما لم تشمل منابع الخامات وممرات التهريب التي تزود وحدات الظل بهذه المواد. فالقضية لم تعد فقط قضية بيئية، بل أصبحت ملفا أمنيا واقتصاديا وصحيا يتقاطع فيه ضعف الرقابة مع الحاجة الاجتماعية.