” العمران ” تدق آخر مسمار في نعش تدبير جماعة تطوان للشأن العام
✍️عماد بنهميج / تطواني
لم تعد الاختلالات التي يعرفها تدبير الشأن المحلي في تطوان مجرد سوء توزيع للاختصاصات، بل تحولت إلى عملية تجريد منهجي للمجلس الجماعي من دوره الدستوري الطبيعي. والدليل الأبرز على ذلك ما حملته النقطة الثانية في جدول أعمال الدورة الاستثنائية لشهر نونبر، والمتعلقة بإسناد الإشراف على أشغال التهيئة الحضرية للأحياء ناقصة التجهيز لشركة العمران، وهي خطوة يمكن وصفها من دون مبالغة بأنها تدق آخر مسمار في نعش التدبير الجماعي للشأن العام، وتكرس انتقال القرار المحلي نهائيا إلى مؤسسات لا تخضع للمساءلة الانتخابية.
فالجماعة، التي نص الدستور على كونها فاعلا ترابيا أساسيا، لم تعد سوى محطة لعبور قرارات تصنع خارج أسوارها. وما كان ينبغي أن يكون مؤسسة منتخبة تقود التنمية، أصبح أداة للمصادقة والتوقيع، في حين تحسم التوجهات والبرامج في دوائر مغلقة، بعيدا عن إرادة المنتخبين وسلطة المجالس.
لقد جُردت جماعة تطوان على مدى السنوات الأخيرة من أهم قطاعاتها الحيوية. التهيئة الحضرية، قطاع النظافة، النقل العمومي، الماء والكهرباء، المحطة الطرقية، وتحولت هذه الاختصاصات إلى شركات للتنمية المحلية ووكالات جهوية وأنماط تدبير مفوض. أما المجلس فقد اكتفى بدور الممول والمزكي، بلا سلطة فعلية أحيانا في التخطيط أو الإشراف أو اتخاذ القرار الذي يصاغ في مكاتب وزارة الداخلية.
هذا التحول الهيكلي وضع المجلس الجماعي لتطوان في موقع المتلقي بدل المبادر. تعرض عليه اتفاقيات جاهزة يعدها آخرون وينفذها آخرون، بينما يظل دوره محصورا في التصويت عليها بالإجماع لتأخذ الشكل القانوني المطلوب. وهكذا، تتحمل الجماعة الكلفة المالية من ميزانيتها، دون أن يمتلك مكتبها المسير سلطة القرار أو القدرة على توجيه المشاريع بما يناسب أولويات المدينة.
وبالتوازي مع هذا التقزيم السياسي، جرى تهميش الإدارة الجماعية وتجريدها من وظائفها، ليحل محلها مكاتب الدراسات التي باتت تلتهم ميزانيات ضخمة دون قيمة مضافة حقيقية. فقدت الجماعة خبرتها الداخلية ورصيدها البشري، بينما ظل الموظف الجماعي الأدرى بتراب المدينة على هامش دورة إنتاج القرار.
أما رئيس الجماعة نفسه، فقد أصبح يمارس صلاحياته بصفة آمرا بالصرف أكثر من كونه قائدا سياسيا محليا. توقيع أجور الموظفين، والتأشير على الالتزامات المالية، والمصادقة على ما يعد خارج مكتبه، بينما تتراجع قدرته على توجيه السياسات وضبط المشاريع وضمان انسجامها مع أولويات المدينة وساكنتها.
الصورة اليوم في تطوان واضحة. منتخبون بلا سلطة، ومجلس بلا نفوذ، ومؤسسة بلا قرار. وفي المقابل، تنتقل السلطة الحقيقية إلى شركات ووكالات لا تخضع لمساءلة الناخب. هذا التحول لا يضعف فقط مؤسسة الجماعة، بل يضرب في عمق مفهوم الديمقراطية المحلية، ويعزز شعور المواطن بأن من انتخبهم لا يسيرون الشأن العام فعلا، وأن القرار يصنع بعيدا عن أعين الناخبين.
تطوان تحتاج فعلا إلى مشاريع وتنمية محلية، لكنها تحتاج قبل ذلك إلى أن يعود القرار المحلي إلى مكانه الطبيعي. إلى المؤسسة المنتخبة التي تمثل السكان وتحاسب أمامهم، وتعمل باسمهم. فالتنمية لا تبنى بالتمويل فقط، بل بالشرعية، وبالاختيار الشعبي، وبمؤسسات تمتلك سلطة حقيقية. لا مجرد حق التوقيع.
