
تتهيأ تطوان، المدينة التي خرجت من رحم الأندلس وتنفست أول أنوار المتوسط لفتح صفحة جديدة من سيرتها الممتدة بين جبال شاهقة وبحر لا ينام. فقد اختارها الاتحاد من أجل المتوسط ومؤسسة آنّا ليند، الى جانب ماتيرا الايطالية عاصمة للثقافة والحوار المتوسطي لعام 2026. وهو اختيار يعيد تطوان الى مركز الضوء. مدينة تقف عند مفترق الذاكرة والحداثة، وتصل الماضي بالمستقبل بخيوط لا تنقطع.
أكد رئيس جماعة تطوان مصطفى البكوري عقب الإعلان عن التتويج، أن هذا الاختيار يشكل “فرصة مهمة لتسليط الضوء على تراث المدينة وفنانيها ومبادراتها الثقافية، وتعزيز علاقاتها مع مدن وبلدان أخرى عبر التعاون والشراكات المثمرة”. ويتيح هذا التكريم لتطوان استضافة سلسلة من الأنشطة والبرامج الثقافية طيلة عام كامل بمشاركة فاعلين محليين وشركاء دوليين.
مدينة تنبض بالتاريخ … فسيفساء أرواح وحكايات
منذ إعادة بنائها على يد الموريسكيين في القرن الخامس عشر حملت تطوان روح مدن المتوسط. أزقة ضيقة تنفتح على ساحات وسط المدينة، وبنايات بيضاء تتكأ على جبلي درسة وغريز مثل جناحي حمامة بيضاء، ومجتمع صاغته قرون من الترحال والتبادل والتعايش تحت سماء واحدة.
ولأنها ارتبطت دوما بعمقها المتوسطي، فقد كانت ملتقى شعوب وثقافات متعددة؛ تعايش فيها المسلمون واليهود والمسيحيون في نسيج اجتماعي فريد، ما جعلها نموذجا حيا لمدن البحر الأبيض المتوسط التي ازدهرت فيها الروابط الإنسانية قبل الحدود السياسية.
وتظل الشواهد العمرانية خير دليل على هذا التنوع الديني؛ ففي قلب المدينة النابض بساحة مولاي المهدي تنتصب كنيسة Nuestra Señora de la Victoria بطرازها الإسباني الأنيق، شاهدة على مرحلة تاريخية تميزت بتجاور الديانات وتعايش السكان باحترام وانفتاح.
كما تضم المدينة واحدة من أقدم المقابر اليهودية في شمال المغرب، إلى جانب مقبرة مسيحية تعود إلى حقبة الحماية، مما يجسد استمرارية الروابط الروحية والثقافية التي عاشت عليها المدينة عبر القرون.
ولا يزال اليهود المنحدرون من تطوان والمقيمون اليوم في مختلف أنحاء العالم يتوافدون سنويا لإحياء موسم الهيلولة وزيارة ضريح الحاخام “إسحاق بن واليد”، لتظل المدينة بذلك نقطة وصل روحية وثقافية بين أبنائها في الداخل والمهجر.

تزخر تطوان بكنوز معمارية تستعيد اليوم أنفاسها الأولى بفضل مشاريع ترميم تعيد للمدينة العتيقة مجدها. “سجن المطامر” العائد الى القرن السادس عشر والواقع خمسة أمتار تحت الارض يخضع لورش كبير بميزانية تفوق 21 مليون درهم وذلك تمهيدا لتحويله الى متحف أثري ينضاف الى لؤلؤة التراث العالمي المصنف لدى اليونسكو.
كما تستعد قصبة جبل درسة المشيدة بين القرنين الخامس عشر والسادس عشر، لتعود الى المشهد بميزانية تقارب 75 مليون درهم. قصبة عسكرية كانت يوما الحارس الأعلى للمدينة، والمشرفة على سهل مرتيل وأزقة المدينة العتيقة، تعود اليوم لتستعيد مكانتها في ذاكرة تطوان.
مسارات تولد من روح المكان
وفي رغبة لتجديد علاقتها بزوارها، أطلقت جماعة تطوان خارطة جديدة لمسارات المدينة العتيقة تعيد تنظيم أزقتها وتكشف للزائر ما تخفيه الجدران من حكايات طويلة. خطوة تهدف الى تعزيز السياحة الثقافية وتحسين جودة الحياة داخل هذا الفضاء الذي لا تزال روحه معلقة بين التاريخ والانسان.
وتتعزز الهوية الثقافية للمدينة عبر المسار الأدبي لسيرفانتيس الذي أطلق سنة 2015، وتنتشر لافتاته في أزقة المدينة العتيقة كأنها إشارات سرية تقود إلى الأماكن التي ألهمت الكاتب الإسباني خلال فترة أسره وتواجده بتطوان. حوار صامت بين تطوان والتراث الايبيري يضفي على المدينة ملمحا جديدا من الجمال.

وفي سياق الاستعداد لعام 2026، تستعد المدينة لإطلاق الجامعة الثقافية الأولى من نوعها في المغرب وأفريقيا ضمن فعاليات الملتقى الثالث للحضارات الأندلسية. وسيتم احتضان الجامعة في المحطة الطرقية القديمة التي يجري إحياؤها من جديد، بهيئة تجمع بين الروحين الأندلسية والإسبانية وبين ذاكرة المكان وطموح المستقبل.
تطوان… مدينة الفنون وأمواج المتوسط
اختيار تطوان عاصمة للثقافة والحوار المتوسطي هو تتويج لرحلة طويلة في عالم الإبداع، فهي مدينة المهرجانات التي عبر صداها البحر. مهرجان تطوان الدولي لسينما المتوسط، ومهرجان العود، وأصوات نسائية، وغيرها من تظاهرات المسرح والسينما الأمازيغية. منصات تجمع مبدعي الضفتين، وتفتح فضاءات للفن من الموسيقى الأندلسية إلى التشكيل، ومن الشعر إلى السينما.
بين تراثها الأندلسي وتنوعها الديني وغنى فنونها وانغماسها الطبيعي في نسيج المتوسط، تبدو تطوان اليوم أكثر استعدادا لارتداء لقب عاصمة الثقافة والحوار لسنة 2026. مدينة بقيت وفية لروحها رغم تبدل الأزمنة، وحافظت على قدرتها على جمع الاختلاف وصنع الجسور بين الشعوب والثقافات.
تطوان ليست مجرد مدينة؛ إنها ذاكرة تمشي على أرصفة الضوء، وتراث يتنفس بين جدران البياض، وفضاء إنساني مفتوح على العالم.
