تحت القائمة

مقاولة تعبث بأشجار تطوان وتجر بيئتها إلى الخراب

✍️ عماد بنهميج / تطواني

ما يجري اليوم في أحياء تطوان، من جامع المزواق إلى الشوارع الرئيسة، لم يعد مجرد “تقليم للأشجار”، بل تحول إلى اعتداء ممنهج على الغطاء النباتي، يفرغ المدينة من روحها البيئية ويحول أشجارها إلى جذوع جرداء بلا ظل ولا جمالية.

فالصور المتداولة والتبليغات التي وصلت إلى السلطات، تظهر بوضوح تدخل مقاولة تفتقر للخبرة والمعرفة التقنية. الطريقة التي تقطع بها الأغصان—بما فيها الأغصان السميكة والرئيسية—تكشف غيابا كاملا لمعايير البستنة ولأبسط تقنيات تقليم فصل الشتاء. ما يحدث ليس “تنظيفا”، بل تشويه يضر بصحة الأشجار وقدرتها على النمو ويتركها بلا وظائف بيئية لأشهر طويلة، وكأن المدينة تعاقب غطائها الأخضر بدل العناية به.

ورغم أن هذه العمليات تجري في الفضاء العام وفي وضح النهار، ورغم اتساع دائرة احتجاجات السكان ووصولها إلى مختلف الجهات، فإن الصمت ما يزال هو السائد. لا تدخل لإيقاف الأشغال، ولا تقويم للمقاولة التي تكرر الأخطاء نفسها منذ سنوات، ولا حتى توضيح للرأي العام حول هذا الخراب البيئي المتواصل.

غير أن الفضيحة الحقيقية لا تقف عند حدود المقاولة، بل تمتد إلى الجهتين المعنيتين مباشرة بإسناد الصفقة وتتبعها. جماعة تطوان التي فوتت الصفقة للمقاولة ذاتها مرة بعد أخرى، وعمالة تطوان التي تتحمل مسؤولية التتبع والمراقبة ولم تتدخل رغم التبليغات المتكررة والخرق الواضح لمعايير الأشغال. فهذه ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها الغطاء النباتي للمدينة للتشويه بالطريقة نفسها، ولا المرة الأولى التي يحتج فيها السكان بصور وشهادات ميدانية تثبت سوء التنفيذ وغياب التأهيل.

ومع ذلك، تستمر الجماعة في تجديد ثقتها في المقاولة نفسها، وتستمر العمالة في الصمت، وكأن الأمر لا يستدعي تدخلا أو مراجعة. ليبقى الرأي العام أمام سؤال ملح: هل نحن أمام غياب رؤية؟ أم ضعف في المتابعة والمراقبة؟ أم أن لهذه المقاولة من الامتياز ما يجعلها خارج دائرة المحاسبة؟

المؤكد اليوم أن تطوان تؤدي ثمن سوء تدبير مشترك وأن أشجارها تتعرض للتشويه بلا مبرر، وأن صمت المسؤولين في الجماعة والعمالة معا يضاعف الضرر ويحول الخطأ التقني إلى فشل بنيوي في تدبير الشأن البيئي. والمفارقة أن ذلك يحدث في وقت يتجه فيه العالم إلى تعزيز مساحاته الخضراء، بينما تتراجع تطوان بفعل قرارات مرتجلة وغياب واضح للحكامة.

إن المسؤولية اليوم واضحة ولا تحتاج إلى تأويل. جماعة تطوان مطالبة بإعادة النظر في طريقة إسناد الصفقات وضمان اختيار مقاولات مؤهلة، والعمالة مدعوة للقيام بدورها في التتبع والمراقبة ووقف أي تدخل يخرق معايير البستنة. أما محاسبة المتسببين في هذا الضرر المتكرر، فلم تعد مطلبا بيئيا فقط، بل حاجة ملحة لحماية ما تبقى من هواء وظل وجمال في مدينة تطوان.