طنجة نموذج لتحديث النقل الحضري… وتطوان خارج زمن الوعود
لم يعد تأخر تحديث النقل الحضري بمدينة تطوان مجرد اختلال تقني أو تعثر إداري عابر، بل أصبح عنوانا صارخا لفشل سياسي وتنموي في تنزيل برامج يفترض أنها وطنية. فبينما تقدم تجربة طنجة اليوم كنموذج مرجعي لتعميم رقمنة النقل العمومي بالمغرب،تظل تطوان مرة أخرى على الهامش، رغم إدراجها الرسمي ضمن المدن المستفيدة من هذا الورش. وفق ما أورده تقرير تقني حديث لمجموعة “كوبا” الدولية المتخصصة في الأنظمة الذكية.
التقرير، الذي اعتبر المنظومة الرقمية المعتمدة في طنجة “مرجعا وطنيا” لتوحيد مساطر تدبير النقل العمومي وضمان التشغيل البيني بين الشبكات الحضرية، يسلط الضوء، بشكل غير مباشر، على فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي حول تعميم تحديث القطاع، والواقع الميداني الذي تعيشه تطوان، حيث لم تترجم الوعود إلى خدمات ملموسة.
ففي الوقت الذي تشرف فيه مؤسسة التعاون بين الجماعات “البوغاز” على منظومة متكاملة بطنجة، وتتوفر شركة التنمية المحلية “طنجة موبيليتي” على بنية تحتية رقمية مملوكة عموميا تضمن استمرارية المرفق وسيادة المعطيات، لا تزال تطوان حبيسة الانتظار، دون أسطول عصري ولا نظام أداء إلكتروني، ولا آجال واضحة للتنزيل.
المفارقة الصارخة أن التقرير نفسه يتحدث عن توسيع المجال الترابي للمنظومة ليشمل تطوان، وعن إحداث تذاكر عابرة للمجالات بين طنجة وتطوان، بما يسهل حركية المواطنين بين العمالتين. غير أن هذا “التوسيع” ظل حبرا على ورق، في ظل غياب أي مؤشرات ميدانية على دخول تطوان فعليا ضمن هذا الورش، لا من حيث الحافلات، ولا من حيث الحكامة، ولا من حيث الاستثمار.
ويكشف هذا التأخر عن خلل بنيوي في تنزيل المخطط الوطني لتأهيل النقل الحضري، حيث يبدو أن منطق “المدن القاطرة” يطغى على مبدأ العدالة المجالية، رغم أن تطوان مدينة حضرية كبرى، ذات كثافة سكانية وحركية يومية تفرض استعجالية الإصلاح أكثر من غيرها.
الأخطر من ذلك أن استمرار هذا الوضع يكرس نقلا حضريا تقليديا قائما على تداول السيولة، وضعف الجودة، واهتراء الأسطول، في وقت تتجه فيه مدن أخرى إلى الأداء المفتوح عبر البطاقات البنكية والهواتف الذكية، تماشيا مع المعايير الدولية واستحقاقات المملكة القارية المقبلة.
إن إدراج تطوان في التقارير والبلاغات دون تمكينها من الاستفادة الفعلية، يطرح أسئلة مشروعة حول ترتيب الأولويات، وآليات التتبع، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ويجعل من ملف النقل الحضري بالمدينة مثالا صارخا على الفجوة بين التخطيط المركزي والتنزيل الترابي.
فالحديث عن “تعميم” تحديث النقل الحضري يفقد مصداقيته، ما دامت مدن مثل تطوان ما تزال تنتظر حافلات لم تصل، ومنظومة رقمية لم تُفعل، ووعودًا تتكرر دون أثر ملموس على حياة المواطنين.
