تحت القائمة

ناقوس مالي … تعادل يفضح الاختيارات ويضع الركراكي تحت المجهر

✍️عبدالسلام قروان

ليس كل تعادل خسارة، كما أنه ليس كل نقطة مكسبًا. وبين هذين الحدّين، جاءت مباراة المنتخب الوطني أمام مالي، لتضع وليد الركراكي أمام مرآة قاسية، لا تعكس النتيجة بقدر ما تكشف ما هو أعمق: طريقة التفكير، أسلوب التدبير، وحدود الرهان التكتيكي.

بعيدًا عن الانفعال، وبمنأى عن القراءة العاطفية التي تختزل كل شيء في «نقطة محبطة»، فإن ما جرى أمام مالي يستحق التوقف عنده مليًا، لأن الأسود لم يفقدوا الصدارة فقط، بل كادوا يفقدون المباراة كاملة في لحظاتها الأخيرة، حين تمايل الميزان لصالح منتخب كان أكثر شراسة، وأكثر وضوحًا في ما يريد.

صحيح أن التعادل فرض على المنتخب خوض مواجهة زامبيا بخيار لا يقبل القسمة على اثنين، لكن الصحيح أيضًا أن هذه النقطة جاءت رحيمة قياسًا بما كان ممكنًا أن يحدث، بعدما تحولت المرتدات المالية في آخر الأنفاس إلى تهديد حقيقي، كاد يُسقط الأسود في هزيمة نفسية قبل أن تكون رقمية.

شوط أول واعد… وشوط ثانٍ خرج عن السيطرة

المنتخب الوطني دخل المباراة بشكل جيد، فرض إيقاعه في الشوط الأول، سجل عبر إبراهيم دياز، وأضاع فرصًا كانت كفيلة بقتل المواجهة مبكرًا. غير أن هذا التفوق لم يُترجم إلى أمان، لأن الاستمرار بنفس النسق دون تحصين تكتيكي كان بمثابة دعوة مفتوحة لمالي كي تعود إلى اللقاء.

مع بداية الشوط الثاني، كان واضحًا أن المنتخب المالي سيغير جلده، وأنه سيتقدم أكثر بحثًا عن التعادل، وهو ما حدث. الخطأ لم يكن في جرأة الماليين، بل في انجرار الأسود إلى معركة لا تشبههم: صراع بدني مفتوح، التحامات قاسية، وفقدان تدريجي لهوية التمرير والهدوء.

رهان وديّات خادع… وسيناريو لم يُحسب له حساب

أحد أبرز أعطاب هذه المباراة، أنه سبق التحذير منها. فالإفراط في برمجة وديات أمام منتخبات من مستويات دنيا، والاعتقاد بأن كل خصوم «الكان» سيلعبون بالكتلة المنخفضة، جعل المنتخب غير مهيأ لسيناريو مختلف، كمنتخب مالي الذي ضغط، ورفع الكتلة، وفرض إيقاعًا بدنيًا عاليًا. وهنا ظهر الارتباك، لا في اللاعبين فقط، بل في دكة البدلاء.

تبديلات أربكت الأسود… ومنحت الأفضلية للخصم

عند الدقيقة 70، وبعد هدف التعادل من ضربة جزاء ساذجة، جاء القرار الذي فجر الجدل: ثلاثة تغييرات دفعة واحدة، وخروج أسماء كانت من أكثر العناصر نجاعة وتأثيرًا، وعلى رأسها إبراهيم دياز وعز الدين أوناحي.

تبديلات لم تُفهم، ولم تخدم توازن الفريق، بل منحت مدرب مالي أفضلية واضحة، إذ وجد نفسه في مواجهة منتخب فقد أحد أهم أسلحته، مقابل دخول عناصر مالية أكثر طراوة، كادت تحسم المباراة في آخر دقائقها.

نقطة لا تُطمئن… لكنها تنبّه

في المحصلة، لا يمكن وصف التعادل بالكوارثي، كما لا يمكن اعتباره إنجازًا. هو نقطة تحمل إنذارًا واضحًا، وتضع المدرب أمام مسؤولية المراجعة، لأن ما قد يُغتفر في دور المجموعات، لا يُغتفر في مباريات الإقصاء.

اليوم، لم يعد أمام الأسود سوى الانتصار على زامبيا، لكن الأهم من النتيجة، هو الكيفية: فرض الشخصية، احترام الهوية، والتخلي عن المغامرات التكتيكية غير المحسوبة.
فالكأس الإفريقية لا تُربح بالأسماء ولا بالنيات، بل بحسن القراءة… وحسن القرار في اللحظة الحاسمة